سوريا بين اقتصاد الاستيراد وأزمة الإنتاج.. حين يتحول تآكل الإنتاج إلى أزمة اجتماعية
هـل آن أوان الإصـــلاح الحقــيقي؟
سليمان أمين:
تشير المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في سورية إلى أزمة بنيوية عميقة تجاوزت حدود التقلبات الاقتصادية الطبيعية. فوفق تقديرات دولية متقاطعة، يرزح ما يقارب 90% من السوريين تحت خط الفقر، في حين تتسع دائرة البطالة ويزداد انعدام الأمن الغذائي بصورة غير مسبوقة. هذه الظاهرة ليست مجرد نتيجة للحرب أو للعقوبات أو لتدهور العملة فحسب، بل هي أيضاً انعكاس مباشر لتحولات عميقة في بنية الاقتصاد السوري، أبرزها الانتقال غير المتوازن من اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة والزراعة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على الاستيراد.
خلال السنوات الماضية، شهدت الأسواق السورية تدفقاً واسعاً للسلع المستوردة البديلة عن المنتجات المحلية، غالباً عبر رسوم جمركية منخفضة نسبياً أو عبر قنوات تهريبية. وقد أدى ذلك إلى منافسة غير متكافئة مع المنتج الوطني الذي يعاني أساساً من ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والضرائب والنقل والتمويل. وفي ظل هذا الواقع، لم تتمكن العديد من المصانع والورشات الصغيرة والمتوسطة من الاستمرار في الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى إغلاقها أو تقليص نشاطها، ما يعني فقدان آلاف فرص العمل.
هذه الديناميكية الاقتصادية أسهمت تدريجياً في إضعاف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. فحين يتراجع الإنتاج المحلي ويتزايد الاعتماد على الاستيراد، يتحول الاقتصاد من اقتصاد منتج للقيمة المضافة إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على تدفق السلع من الخارج. ومع تراجع الإنتاج، تتقلص فرص العمل ويتراجع الدخل الحقيقي للأسر، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر والجوع.
غير أن تحليل هذه الأزمة يقتضي التمييز بين الأعراض والأسباب. فالتشخيص الذي يختزل المشكلة في إغراق المستوردات وحده قد يسلط الضوء على أحد مظاهر الأزمة، لكنه لا يكشف بالضرورة عن جذورها العميقة. إذ إن ضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي لا يرتبط فقط بالسياسات التجارية، بل أيضاً ببيئة الإنتاج نفسها.
في الاقتصادات الحديثة، لا تُبنى حماية الصناعة الوطنية فقط عبر الجدران الجمركية المرتفعة، بل عبر سياسات شاملة تهدف إلى تخفيض تكاليف الإنتاج الحقيقية. وتشمل هذه التكاليف أسعار الطاقة، والضرائب، وكلفة التمويل، والبنية التحتية اللوجستية، إضافة إلى الاستقرار النقدي والمالي. عندما تكون هذه العناصر مرتفعة أو غير مستقرة، يصبح المنتج المحلي بطبيعته أقل قدرة على المنافسة، حتى داخل سوقه الداخلية.
من هذا المنطلق، فإن منع الاستيراد أو رفع الرسوم الجمركية قبل معالجة هذه العوامل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: إذ قد يتحول السوق إلى احتكار محلي محدود العرض، فترتفع الأسعار وتنخفض الجودة، بينما يتحمل المستهلك العبء الأكبر. ولهذا السبب، يؤكد العديد من الاقتصاديين أن حماية الصناعة الوطنية يجب أن تكون حماية ذكية ترتكز على رفع كفاءة الإنتاج لا على إغلاق الأسواق فقط.
مع ذلك، فإن فتح الأسواق دون ضوابط في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج قد يؤدي أيضاً إلى نتائج خطرة. فالتجارب الاقتصادية العالمية تظهر أن التحرير التجاري غير المتدرج في الاقتصادات الهشة يمكن أن يؤدي إلى تآكل القاعدة الصناعية والزراعية، خصوصاً عندما تكون الصناعات المحلية غير قادرة على المنافسة بسبب عوامل هيكلية داخلية.
وفي الحالة السورية، يبدو أن الاقتصاد وقع بين نموذجين غير مكتملين: فمن جهة، لا يوجد سوق حر حقيقي قائم على المنافسة والشفافية؛ ومن جهة أخرى، لم تعد هناك سياسات صناعية فعالة تدعم الإنتاج المحلي. والنتيجة هي اقتصاد يعاني من القيود النقدية والبيروقراطية من جهة، ومن الانفتاح التجاري غير المتوازن من جهة أخرى.
تظهر آثار هذا الخلل بوضوح في قطاعات أساسية مثل الزراعة والثروة الحيوانية. فعلى سبيل المثال، شهد قطاع تربية الدواجن خلال السنوات الماضية تقلصاً كبيراً في عدد المداجن نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة، إضافة إلى المنافسة مع المنتجات المستوردة. ومع تراجع الإنتاج المحلي، أصبحت السوق أكثر عرضة للتقلبات السعرية. وعندما ينخفض العرض المحلي، ترتفع الأسعار بصورة حادة، حتى في حال السماح بالاستيراد لاحقاً لتعويض النقص.
وتتكرر الظاهرة نفسها في بعض المحاصيل الزراعية. فحين يضطر المزارعون لبيع منتجاتهم بأسعار أقل من تكاليف الإنتاج، يتراجع الحافز للاستمرار في الزراعة. ومع خروج عدد متزايد من المنتجين من السوق، ينخفض الإنتاج المحلي في المواسم اللاحقة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واعتماد أكبر على الاستيراد.
هذا النمط الاقتصادي يؤدي تدريجياً إلى تحول هيكلي خطير: إذ يصبح المستورد أو الوسيط التجاري هو اللاعب الأقوى في السوق، بينما يفقد المنتج المحلي قدرته على التأثير في الأسعار. وفي المفهوم الاقتصادي الكلاسيكي، يفترض أن يكون المستهلك سيد السوق عبر المنافسة بين المنتجين.
لكن عندما تتراجع المنافسة الإنتاجية وتتركز السوق في أيدي عدد محدود من الموردين أو الوسطاء، فإن هذه القاعدة تختل.
كما أن الغلاء الفاحش في الأسعار لا يعكس بالضرورة زيادة في هوامش الأرباح، بل غالباً ما يكون نتيجة مباشرة لارتفاع التكاليف وتراجع الإنتاج. فحين ترتفع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل، يصبح المنتج النهائي أكثر تكلفة حتى لو بقي هامش الربح ثابتاً نسبياً. ومع انخفاض الإنتاج المحلي، تتفاقم هذه المشكلة بسبب محدودية العرض.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد السوري يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فاستمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التآكل في القاعدة الإنتاجية، بينما يتطلب الخروج من الأزمة إطلاق عملية إصلاح اقتصادي شاملة تركز على إعادة بناء القدرة الإنتاجية للبلاد.
تشمل هذه العملية عدداً من الأولويات الأساسية: أولها تخفيض تكاليف الإنتاج عبر إصلاح سياسات الطاقة والضرائب والرسوم، بما يتيح للصناعات المحلية العمل في بيئة أكثر تنافسية. وثانيها تحسين بيئة الأعمال من خلال تقليص البيروقراطية وتسهيل الوصول إلى التمويل. وثالثها تبني سياسة تجارية متوازنة تجمع بين الانفتاح المدروس وحماية القطاعات الإنتاجية الناشئة.
كما أن إصلاح النظام النقدي والمالي يعد خطوة أساسية لتحفيز الاستثمار. فاستقرار السياسات النقدية وتخفيف القيود التي تعيق حركة رأس المال يمكن أن يسهم في إعادة تنشيط النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة.
في النهاية، لا يمكن لأي اقتصاد أن يستمر طويلاً دون قاعدة إنتاجية قوية. فالاستيراد يمكن أن يكون أداة مفيدة لتلبية احتياجات السوق وتعزيز المنافسة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الإنتاج المحلي. والاقتصادات التي تتحول بالكامل إلى أسواق لتصريف السلع المستوردة غالباً ما تواجه في نهاية المطاف تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام سورية اليوم لا يتمثل فقط في إدارة التجارة الخارجية، بل في إعادة بناء منظومة الإنتاج نفسها. فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من المعمل والمزرعة قبل أن يبدأ من الميناء أو الجمارك. وعندما تصبح بيئة الإنتاج قادرة على المنافسة، يمكن للسوق المفتوحة أن تتحول من مصدر تهديد إلى فرصة للنمو والازدهار.