في الذكرى الـ١٤٣ لرحيل الفيلسوف الألماني كارل ماركس

 أعطى الإنسانية فلسفة ثورية علمية لتغيير النظام الرأسمالي وإزالـــــة الاســــتغلال الطبــــقي.. وبنــــاء مجتمــــع اشـــــتراكي

د. نديم دندن:

إن فشل تجربة بناء الاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبقاء الرأسمالية.. لم يكن بسبب استشرافات ماركس المستقبلية الذي وضع البشرية في تطورها التاريخي أمام انتصار الاشتراكية وبناء المجتمع الجديد على أنقاض الرأسمالية، أو إخفاقها واستمرار الرأسمالية المؤدي إلى البربرية والهمجية والوحشية كما نعيشها اليوم في المرحلة الإمبريالية.

إن انهيار التجربة السوفيتية ليس فشلاً للاشتراكية الماركسية.

إن حالة الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي هو في ذروة همجية، هذا النظام الذي يتجلى في أبشع صوره التي لم يشهدها التاريخ البشري المتمثلة بالحروب العدوانية الطاحنة ضد شعوب العالم في الجنوب والشرق والحروب الأهلية التي تفتعلها أو تهيئ الظروف لنشوبها كالحصارات والعقوبات الاقتصادية ضد هذه الشعوب التواقة إلى التحرر، والطامحة إلى الاستقلال والعيش بكرامة، تلك الحروب التي أزهقت أرواح الملايين من البشر، وخاصة ما أفضت إليه العنصرية والظلامية والأوبئة بتطور صناعتها ورواج تجارة السلاح والمخدرات، وما أنتجته من مجالات قتلت ملايين البشر وأدت إلى تدمير الطبيعة واستنزافها بشكل إجرامي غير أخلاقي ، مع هجرة الناس من أوطانهم.

أليس هذا كافياً لإثبات صحة استنتاجات ماركس المستقبلية ودحض كلام أعداء الماركسية بأن العطل ليس في النظرية بل في العمل والتطبيق.. فماركس لم يكن مثقفاً نظرياً وفيلسوفاً يعيش في برجه العاجي، بل كان مناضلاً اجتماعياً صلباً قضى عمره مشرداً ومطروداً من الدول الرأسمالية في عصره، بعد أن صودرت ممتلكاته الشخصية وممتلكات زوجته، وأسس مع رفيقه إنجلز وآخرين من الرفاق الحزبيين أول حزبين شيوعيين عالميين في العالم هما: (الأمميّة الأولى-  جمعية الشغيلة العالمية) بين ١٨٦٤- ١٨٧٦، بهذه الفترة كتب (رأس المال)، و(الأممية الثانية) بين ١٨٨٩- ١٩١٦ وظلت فعالة حتى بعد وفاته ١٨٨٣.

وبهذه الفترة قبل رحيله ساهم مع رفيق دربه أنجلز في العديد من الأعمال الثورية بشكل مباشر أو غير مباشر بالتوجيه والدعم والترويج بالرغم من كونه كان مطارداً أو لاجئاً مرفوض الإقامة وممنوع من التنقل والسفر من تلك الدول الرأسمالية التي ناضل ضدها، وهو يعاني وأفراد عائلته الأمراض والفاقة، وقد مات أربعة من أطفاله السبعة بسبب الفقر وسوء التغذية.. فهذا الكفاح السياسي والحزبي والثقافي أليس هو في قمة النضال الواقعي لتغيير هذا العالم الرأسمالي؟!

ماركس ذلك الرجل الذي أول من أعطى لعموم الحركة العمالية للإنسانية فلسفة ثورية علمية لتغيير النظام الرأسمالي وإزالة أشكال الاستغلال الطبقي وبناء المجتمع الاشتراكي.

فنظرية ماركس ليس بمستطاع أحد أن يتجاوزها شرط الاستيعاب، ذلك أن فهمها، كما أكد رفيقه (أنجلز)، ليس مذهباً وإنما هو منهج، وليس عقيدة جامدة بل يقدم نقاط انطلاق لبحث ما هو آتٍ.

وكما أكد لينين فيما بعد أن (الماركسية ليست نموذجاً نظرياً للكون أو رسماً تخطيطياً ملزماً للجميع، بل هو طريقة وأسلوب لإدراك كل ما هو موجود في حركته وتغييره).

ويخطئ كل الخطأ من يعتبر الماركسية قد اندثرت، وكل من يحكم على أن مستقبل الاشتراكية لم يتحقق، عليه أن يعرف أنها ضرورة حتمية لاستمرار الحضارة البشرية ولبقاء الجنس البشري.. والمطلوب ماركسية عصرية عبر تطويرها على ضوء الواقع المعاصر مع الاستجابة لمتطلبات الزمن الذي نعيشه.. هو تطوير في الماركسية لا الإطاحة بها.

في هذه الذكرى لرحيل ماركس نذكر بتوديع فريدريك أنجلز له بهذه الكلمات: أيّ مشعل للفكر قد انطفأ! وأي قلب توقف عن الخفقان، ذلك الفيلسوف والعالم الاقتصادي والمناضل البروليتاري الأممي!

العدد 1191 - 18/03/2026