بحثاً عن ذاكرة تُنقذ المستقبل.. حين نرفض الانتقام كي لا يتكرّر الماضي
أنس جودة:
في هيروشيما، بعد أن انتهى كلّ شيء، لم يسأل الناس: من نكره؟ وكيف ننتقم؟
بل سألوا سؤالاً أبسط.. وأصعب: كيف نمنع أن يحدث هذا مرّةً أخرى؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى فلسفة ولا إلى نظريات معقّدة. يحتاج فقط إلى شجاعة النظر في المرآة. شجاعة أن نسأل أنفسنا: ألم نكتفِ مما حدث؟
كم بيتاً يجب أن يُهدم بعد؟
وكم أماً يجب أن تنتظر على بابٍ لا يعود منه أحد، قبل أن نعترف أن الحرب، أيّ حرب بيننا، لا تترك منتصرين؟
عشنا عقوداً على أوهام حتى أدمنّا خداع أنفسنا بكلمات كبيرة: نصر، صمود، كرامة.
لكن الحقيقة البسيطة التي يعرفها كل من عاش هذه السنوات تقول شيئاً آخر: الجميع خسر، وإن بدرجات مختلفة. لا توجد عائلة سورية خرجت من هذه الحرب كما دخلتها.
الخطر العميق اليوم ليس في بقاء سلاح، بل في بقاء الأفكار التي تبرّر السلاح.
حين تبقى الحرب عقيدة في قلوبنا، ستعود عند أول ذريعة جديدة.
قد تصمت البنادق مؤقتاً، لكن الأفكار التي أطلقتها إن لم تُراجع، ستجد طريقها إلى أيدي أبنائنا.
السؤال المهم اليوم ليس: من أخطأ أكثر؟
السؤال الأهم: هل نريد تكرار ما حدث، أم نملك الشجاعة لنقف وقفة صادقة أمام الذات؟
اليابانيون لم ينسوا هيروشيما.
لكنهم رفضوا أن يجعلوا ذاكرتهم وقوداً لكراهية جديدة. أدركوا أن أفضل وفاء للضحايا هو ألا يُضاف إليهم ضحايا جدد. لم يكن ذلك ضعفاً ولا خذلاناً، بل أعلى درجات القوة: تحويل الألم إلى وعي، لا إلى رغبة في الثأر.
هذا الموقف ليس وسطية زائفة تضيع الحقوق، ولا محاولة لمعادلة الضحية بالجلاد.
هو موقف مبدئي وأخلاقي، وربما راديكالي أيضاً، لأنه يرفض أن نحمّل أبناءنا أعباء حروبنا، ويرفض أن تتحول العدالة إلى اسم آخر للانتقام.
في سوريا، نحتاج إلى الشجاعة نفسها.
أن نعترف أن أوهام الانتصار لا تبني وطناً، وأن الخسارة المشتركة يمكن أن تكون نقطة بداية، لا نهاية. العدالة ليست فقط أن نحاسب، بل أن نضمن ألا تتكرر المأساة. الاعتراف ليس إدانة للذات، بل إعلان نضج جماعي يقول: تعلّمنا بما يكفي كي لا نعيد الخطأ.
كل جيل يسلّم الجيل الذي يليه شيئين: ذاكرة.. وخياراً.
إما أن نورّث أبناءنا خوفنا وغضبنا، أو نورّثهم درساً بسيطاً: أن الحياة أغلى من كل الشعارات، وأن حماية البيوت أهم من كسب المعارك.
السؤال الذي أنقذ اليابان من تكرار الكارثة لا يزال معلقاً أمامنا نحن أيضاً:
هل نريد أن نتذكّر كي ننتقم.. أم نتذكّر كي لا نعيد ما حدث؟
الفرق بين الطريقين هو الفرق بين وطن يعيش على أملٍ يتّسع للجميع، ووطن يبقى أسيراً لحرب انتهت في الواقع.. لكنها لم تنتهِ بعد في العقول والقلوب.
سوريا.. لك السلام!