تونس… ضوءٌ في نهاية النفق
بينما كان أعضاء المجلس التأسيسي في تونس يتجادلون حول إضافة لفظ وحذف آخر، أو إعادة صياغة عبارة أو إدخال تعديل على نص قانوني، خلال إقرار نصوص الدستور في تونس، عاد شبح الاغتيالات السياسية ليحوم في سماء قرطاج، وذلك بعد إعلان رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر أن بلاغاً ورد من وزارة الداخلية يفيد بوجود تهديدات جدية باغتيال النائب المنجي الرحوي الذي ربط محاولة اغتياله بتصريحات زميله في المجلس عضو (حركة النهضة) الحبيب اللوز، التي كفّرته، بطريقة غير مباشرة، نظراً لدفاعه الشرس وسعيه للحفاظ على مدنية الدولة والابتعاد عن (أخونة تونس).
هذه الحادثة أعادت تسليط الضوء على ما اعتبرته المعارضة التونسية بمختلف تياراتها (تهديداً) لمدنية الدولة، منذ وصول حركة النهضة الإسلامية إلى الحكم في نهاية 2011. وتتهم المعارضة حركة النهضة بأنها لا تؤمن بمدنية الدولة، وأن لها مشروعاً (خفيّاً) لإقامة دولة (خلافة) إسلامية في تونس، وذلك منذ أن تحدث حمادي الجبالي، الأمين العام لحركة النهضة عن (خلافة راشدة سادسة). ففي تشرين الثاني 2011 قال حمادي الجبالي لأنصار حزبه، خلال تجمع أُقيم في ولاية سوسة (وسط شرق تونس): (يا إخواني، أنتم الآن أمام لحظة تاريخية، أمام لحظة ربانية في دورة حضارية جديدة إن شاء الله في الخلافة الراشدة السادسة).
وفي السياق نفسه، صادق المجلس التأسيسي التونسي على الفصل السادس من مشروع الدستور، الذي أثار جدلاً استمر أشهراً، لأنه يُلزم الدولة في آن واحد بضمان (حرية المعتقد والضمير) و(حماية المقدسات). ويقول هذا الفصل إن (الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي).
وصوّت معظم النواب ضد مقترحات بحذف حرية الضمير من الفصل السادس. وقد طالب أزاد بادي النائب عن حركة وفاء (حزب قريب من الإسلاميين) بحذف حرية الضمير من الدستور، معتبراً أنها قد تعطي (عبدة الشيطان والأصنام) حرية إقامة طقوسهم ونشر أفكارهم في تونس، التي يدين شعبها بالإسلام.
وقد رد على هذا الطلب إياد الدهماني النائب عن الحزب الجمهوري (يسار وسط) إن (من يدعو إلى إلغاء حرية الضمير يريد أن يعيدنا إلى صفحات سوداء في تاريخ الإنسانية، وإلى محاكم التفتيش، التي كانت تفتش في ضمائر الناس). وأضاف إن (حرية الضمير هي جوهر (بقية) الحريات).
وأصبح الفصل السادس في صيغته المعدلة يقول: (الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يحظر التكفير والتحريض على العنف). وصوت على الفصل في صيغته المعدلة 131 نائباً من أصل 182 شاركوا في عملية الاقتراع، فيما صوت ضده 23 وتحفظ 28.
وفي الوقت الذي ظنّ البعض أن أتباع قاطعي الرؤوس وآكلي القلوب والأكباد سيسيطرون على المشهد السياسي في تونس ويعيدون البلاد إلى عصر الجواري والعبيد، أقر المجلس الوطني التونسي الفصل 20 من الدستور الذي يقول: (المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيّئ لهم أسباب العيش الكريم). هذا النص يُعتبر إعادة اعتبار للمرأة التونسية، حفيدة أميرات قرطاج العظيمات، التي أراد بعض المرضى النفسيين اعتبارها سلعة تباع وتشرى، أو آلة لإشباع الرغبة الجنسية.
ولكن هل حصلت كل هذه الأمور بسهولة ويُسر؟
الإجابة قطعا: (لا)، فمنذ انتخابات تشرين الأول ،2011 ووصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، ناءت تونس تحت حملين ثقيلين: الفلتان الأمني، والمد السلفي الذي ترافق مع عمليات إرهابية هزت المجتمع التونسي في الصميم، إضافةً إلى تدهور الوضع الاقتصادي وتوسّع الفوارق الطبقية وازدياد الاحتقان الاجتماعي. ثم أضيفت، في العام المنصرم، إلى كل تلك الموبقات، كارثتان تمثلتا في اغتيالين سياسيين لشخصيتين علمانيتين، هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وأعقبت حادثتي الاغتيال، أزمات سياسية خانقة كادت تؤدي إلى انهيار الدولة انهياراً كاملاً.
وفي خضم تلك الفوضى، تحايل الإسلاميون وممثلوهم في المجلس الوطني التأسيسي، فلا هم جرّموا التكفير الذي أدى إلى الاغتيالات السياسية حينئذ، ولا هم أقروا المساواة التامة بين الجنسين، فصياغتهم الأولية كانت فضفاضة (غريبة) حسب فقهاء القانون الدستوري، فقد طالبوا ب(التكامل) بين المرأة والرجل عوضاً عن (المساواة)، فالنص القديم في مسودة الدستور الذي تم تعديله كان ينصّ على أن تكون (المرأة مكمِّلة للرجل).
يقول حكماء الصوفية: إن الإنسان خُلِق من روح وجسد وغريزة (شهوة). فإن تغلّبت الروح على الغريزة أصبح الإنسان بمرتبة الملائكة والصدّيقين، أما إن طغت الغريزة وسيطرت الشهوة فالإنسان يصبح أسوأ من الحيوان. ولذلك كان هدف النواميس الكونية والحكمة الإلهية تحقيق التوازن بين الروح والغريزة حتى ينعم الإنسان بحياة سعيدة على الأرض. وهكذا الدستور، فإن لم يحقق التوازن المطلوب في المجتمع فإن قسماً من هذا المجتمع قد يعيش في جنة (من صنع خياله أو ماله)، وقد يستحضر القسم الآخر قوانين الغابة وأخلاقها إلى المجتمع: (القوي يأكل فيها الضعيف، ويسرق الغني منها قوت الفقير).
وإن لم تتعظ تيارات الإسلام السياسي من هذه الحكمة، فإن سعيها لإدخال المجتمع بالقوة إلى الجنة سيفتح عليها أبواب الجحيم، ويستحضر أرواح جميع أنواع الشياطين إليه.