دانيال نعمة… تاريخ وذكريات

دانيال نعمة مناضل شيوعي قديم.  رافق الحزب الشيوعي السوري- اللبناني، ثم الحزب الشيوعي السوري في مختلف الحقبات التي مرَّ بها الحزبان، وبالإنجازات والإخفاقات، بالحرية الجميلة في زمن الصعود، وبالتخفي في الغرف المظلمة، أو في غياهب السجون في زمن النكوص. وكان على الدوام شجاعاً في كل المواقع التي احتلها في الحزب. والشجاعة في القول وفي العمل لا تعني بالضرورة الصواب في الموقف.  لكن قناعة المناضل المرتبط بحزب من نوع الحزب الشيوعي، أي حزب شيوعي، والمستند إلى فكر من نوع الفكر الماركسي، بالقراءات المختلفة لهذا الفكر، هي التي تعطي لصاحبها الحق في أن يقدّر الموقف الذي يلتزم به، ولو من موقع الاختلاف.  وأعترف بأنني كثيراً ما اتفقت مع الرفيق دانيال، وكثيراً ما اختلفت معه.  والاتفاق والاختلاف كلاهما ينطلقان من فهم كل منا للفكر الماركسي على طريقته، ومن التقدير الذي يحدده كل منا للظروف التي تمرّ فيها بلداننا ويمرّ فيها العالم المعاصر وتمرّ فيها الحركة من أجل التقدم والعدالة الاجتماعية باسم الاشتراكية.  واختلاف الرأي والتباين في الفكر لا يفسدان للودّ قضية!

أول لقاء بيني وبين الرفيق دانيال يعود إلى عام 1954.  كنا لا نزال في مطالع شبابنا.  ورغم أنه كان يكبرني ببضع سنوات إلا أنه كان شاباً مثلي.  كان ذلك اللقاء في فيينا في المؤتمر العالمي لشبيبة الريف.  وكان دانيال مع مواهب كيالي يمثلان شبيبة سورية في ذلك المؤتمر.  ولا أدري كيف صادف آنذاك أن كان الأديب مواهب كيالي والمناضل الشيوعي المحامي دانيال نعمة هما اللذان مثّلا الشبيبة الريفية في سورية!  لكن الجواب عن هذا التساؤل لم يكن صعباً في حينه.  إذ كانت المؤتمرات من ذلك النوع، التي كانت تقيمها المنظمات الديمقراطية العالمية تتساهل في مثل ذلك الأمر، عندما يتعلق ببلدان مثل بلداننا – وهي كانت كثيرة- البلدان التي لم تكن التنظيمات فيها الخاصة بالفئات الاجتماعية قد تبلورت.  وكانت سورية في ذلك الحين قد خرجت لتوّها من عصر الانقلابات العسكرية ومن حالة التدمير التي أحدثتها تلك الانقلابات في هذا البلد الذي كانت فيه الحركة الوطنية التحررية في الطليعة بين البلدان العربية مشرقها ومغربها.

يوم التقينا في فيينا في ذلك العام، كنت عضواً في اللجنة التحضيرية العالمية لذلك المؤتمر، بصفتي عضواً في قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي، ممثلاً لشبيبة سورية ولبنان.  وكان الاتحاد هو الذي بادر إلى عقد المؤتمر كواحد من اهتماماته بقضايا الشباب من جميع الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها، أو تلك التي تنتمي إليها عائلاتهم. واستمرت لقاءاتنا بعد ذلك التاريخ ولم تنقطع. وكان من بين آخر لقاءاتنا ذلك اللقاء الذي جرى فيه حديث مطوّل وصعب حول جريدة (النور) بعد إصدارها الجديد. وكان مصدر الصعوبة في حديثنا ذاك يعود إلى بعض الاختلافات التي كانت تبرز بيننا في العديد من الأمور ذات الطابع الفكري والسياسي.  وكنت قد كتبت في العدد الأول من الجريدة مقالة وضعت فيها بعض أفكاري حول بعض مظاهر الأزمة في حركتنا الشيوعية، في سياق حديثي عن تاريخ الجريدة يوم بدأت بالصدور في مرحلة ما بعد الانقلابات العسكرية وعشية الوحدة المصرية السورية.  وكنت في الأشهر الأخيرة من عام 1957 قد لبيت دعوة الرفيق الشهيد فرج الله الحلو، لأشترك معه وتحت رعايته في العمل فيها.  وكانت تلك الأيام من أجمل ذكريات ومن أكثرها متعة وفائدة.

أتذكر اليوم الرفيق دانيال نعمة وأتذكر معه تلك الحقبة الملأى بالأحداث العاصفة من تاريخ سورية ولبنان، ومن تاريخ الوطن العربي ومن تاريخ حركتنا الشيوعية.  وهي تواريخ تحتاج منا جميعاً إلى إعادة قراءتها بواقعية وبشجاعة.

تحية لك يا رفيق دانيال في ذكراك.  أما نحن الباقين على قيد الحياة والمقيمين في أسر الأزمة، فكان الله في عوننا!

العدد 1140 - 22/01/2025