الحكمة.. والمعنى

يقوى الإنسان أو يضعف، بحسب الأشياء والأحياء التي  يهتم بها، فإذا اهتم بالمال والجاه والمظاهر الخادعة، وترك الأدب والأخلاق والشرف والتواضع، ضعف وتراجع، وافتقر، وإذا صاحب السفهاء والمنافقين لا بد أن يصيبه ولو شرارة صغيرة من حرائقهم الكبيرة.

ومن ينشر الفضائل والكلمة الطيبة بين الناس، فليس أقل شأناً من صاحب الفضيلة ومبدع الكلمة الجميلة. وباعتقادي أن على كل من يسمع حكمة أو عبرة، أو قرأ رواية أو كتاباً مفيداً، أن ينشر خبره في كل مكان، ولا يضر المطر إن سقط في الصحراء، ولا تقل قيمة الجواهر وإن وضعت فوق صدور ورؤوس من لا يستحقها.

إن القيم والفضائل والفنون الكبيرة، والحكايات الخالدة وجدت لتغذية العقول وريّ النفوس، إنها شعل وقناديل وكواكب مضيئة، والاستفادة من الشعل والقناديل لايكون إلا برفعها عالياً وتقديرها واحترامها، والنار عندما تكون في الأعلى تنشر نوراً مضاعفاً.

الضوء يهدينا.. والظلمة تردينا..

أو ليست حياتنا بأشد الحاجة إلى الضوء والنور..

لكن من جهة أخرى، الضوء لا يعني شيئاً لأولئك الذين فقدوا بصيرتهم قبل بصرهم!

إن حياتنا مليئة بالحجارة والصخور، الصغار يتعثرون بها ويتساقطون، أما الكبار فيجمعون حجارتها وصخورها لينبوا منها قلاعاً.

يقال إن رجلاً كان يمشي في البرية، فوجد أفعى صغيرة أعجبته فراح يداعبها ويحرك ذيلها بإصبعه، وكلما حركها كبرت، وكلما داعبها ازدادت ضخامة، فتركها الرجل ومضى خوفاً من أن تبتلعه.

وفي طريقه رأى جملاً سخيفاً، يبدو  عليه السقم والمرض والهزال، وحوله العشب الأخضر والماء الكثير، فاستغرب الرجل من هذه المفارقة العجيبة، وتابع طريقه.

وفيما هو يسير سمع أصواتاً لرجال يتصارعون حول صخرة كبيرة، وكل منهم يريد أن يقلب ويشد الصخرة باتجاهه، فحاول الرجل مساعدتهم لكنهم زجروه بشدة وطلبوا منه أن لا يتدخل.

وحين هم بمتابعة طريقه رأى شيخاً يجلس فوق شجرة تين ويده تمتد لتقطف الثمرة الناضجة والثمرة الفجة، اليابسة، وحين عاد الرجل إلى قريته راح يسأل العقلاء وأصحاب الحكمة عن معنى ما رأى وما سمع، فقيل له إن الأفعى الصغيرة تمثل الشر، والشر كلما حركته كبر.. حتى تأتي لحظة ويبتلع من يحركه. أما الجمل الهزيل فهذا الإنسان البخيل، يعيش فقيراً سقيماً، ويموت تاركاً خلفه كل ثروته.

والرجال الذي يتصارعون حول الصخرة الكبيرة، فهذه الدنيا، كل يريد أن يشدها إليه.

وأخيراً ما الشيخ العجوز إلا رمزاً للموت، فالموت يأخذ الكبير والصغير، المريض والمعافى، والجنين الذي لم يخرج بعد إلى الحياة، وربما كان هو الوحيد في هذه الدنيا الذي يساوي بين الجميع.

يقال:

يولد الإنسان عارياً، ويموت عارياً، وما الأثواب التي يرتديها إلا زيف يحاول به أن يغطي حقيقته.

العدد 1140 - 22/01/2025