الغارديان: غزة غيّرت الموقف العالمي من إسرائيل وتغيّر أوربا نفسها من الداخل

نشرت صحيفة (الغارديان) مقالاً للمعلقة المقيمة في بروكسل، شذى إسلام، تناولت فيه الطريقة التي باتت فيها غزة تغير أوربا وتكشف عن الصدوع داخل دولها.

وقالت الكاتبة إن التضامن مع فلسطين يتعرض للتجريم، في وقت سمح البرلمان الأوربي بعمليات التصيد. وبدأت بالإشارة إلى الطريقة التي غيرت فيها الحرب الإسرائيلية على غزة أوربا، التي أسفرت عن ألم شديد للفلسطينيين ومقتل أكثر من 74,000 شخص. وقالت إن الحرب غيرت في الوقت نفسه نظرة العالم إلى إسرائيل وزادت من الدعم لفلسطين وأثارت أسئلة حول النفوذ والقوة والأمريكية.

وكلف تقاعس أوربا عن محاسبة الحكومة الإسرائيلية مصداقيتها ونفوذها العالميين و(لكنني أخشى ما هو أشد وطأة من ذلك: غزة تغير أوربا نفسها).

مشيرة في هذا السياق إلى الكيفية التي تعمل فيها غزة على هذا التحول، وتقول الكاتبة إن حكومات أوربا لم تفعل شيئاً لوقف الإبادة الجماعية؛ فلم تفرض عقوبات جماعية ولا قيوداً تجارية ولم توقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل.

في المقابل، يفرض الاتحاد الأوربي عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا، ولكنه يبقي على علاقات تجارية شبه عادية مع إسرائيل، في ازدواجية معايير صارخة.

وقالت إسلام إن حرب غزة كشفت عن أن التزام أوربا المزعوم بالحقوق الإنسانية أصبح مشروطاً بمن يتم الاعتراف بمعاناته ومن تعتبر مقاومته مشروعة ومن تعتبر مطالبه بالعدالة جديرة بالاهتمام.

وأضافت أن صناع السياسات في الاتحاد الأوربي أظهروا انتقائية حتى في اختيارهم للنساء اللواتي يحتفى بهن كبطلات في النضال ضد الاحتلال، وللأطفال الذين يدافعون عن حقهم في الحياة.

وتقول: (بعد هذه السنوات الثلاث، بت مقتنعة بأن القضية الفلسطينية قد أصبحت اختباراً حقيقياً للديمقراطية الأوربية نفسها، ولا يمكن للمجتمعات الديمقراطية أن تزدهر إلا بوجود مساحة للاختلاف، بما في ذلك الاختلاف غير المريح والمزعزع والمزعج سياسياً). ولكن الحكومات في كل أنحاء أوربا والتي تدين السلوك غير الديمقراطي في الخارج، تمارس اليوم قيوداً غير مبررة على حرية التعبير والاحتجاج السلمي في الداخل.

وبات عنف الشرطة في المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين أمراً شائعاً، حيث يجرم أو يصبح موضع شك أولئك الذين لا ذنب لهم سوى المطالبة علناً بحقوق الفلسطينيين.

وعندما يتكرر هذا الأمر، فإنه يقوض ثقة الجمهور بشرعية الحكومات والمؤسسات الديمقراطية. وكما يقول رابين بولدوسينغ، المنسق الوطني الهولندي لمكافحة التمييز والعنصرية: (تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات العامة مسؤولية عدم تعزيز الاستقطاب عندما يكون المجتمع منقسما بشدة). وللأسف، يبدو أن العكس هو ما يحدث.

وتقول إسلام إن العديد من الانقسامات المجتمعية كانت موجودة قبل غزة، لكنها اكتسبت زخماً جديداً خلال السنوات الثلاث الماضية. وقد حذرت وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوربي منذ فترة طويلة من العنصرية ضد المسلمين ومعاداة السامية. وما أصبح مثيراً للقلق بشكل متزايد خلال السنوات الثلاث الماضية هو الإطار السياسي الذي تعامل بموجبه معاداة السامية المرتبطة بغزة، عن حق، على أنها تهديد للديمقراطية، بينما ينظر إلى الإسلاموفوبيا من منظور أمني ومكافحة للإرهاب.

ولا يمكن إلقاء اللوم كله على اليمين المتطرف. صحيح أن بعض الجماعات المتطرفة تخفي تحيزاتها القديمة وراء اتهامات بأن المسلمين واللاجئين هم مَن (استورَدوا) معاداة السامية إلى أوربا. لكن حزب الشعب الأوربي (أي بي بي)، وهو أكبر كتلة سياسية في الاتحاد الأوربي تضم سياسيين من يمين الوسط والمحافظين المؤيدين لأوربا، بضمنهم أورسولا فون دير لاين وماغنوس برونر، كبير مسؤولي الاتحاد الأوربي لشؤون الهجرة، يعيد إحياء أفكار معادية للإسلام قديمة دُحِضت، مما يشكل خطراً جديداً.

وقد أيد الحزب في حزيران (يونيو) قراراً يدين (تدخل الإسلام السياسي) في العمليات الديمقراطية الأوربية. ولو كان (الإسلام السياسي) يتدخل فعلاً في الديمقراطية الأوربية، لكان للقرار بعض المصداقية. لكن لا يوجد دليل على هذا الادعاء، وبالتأكيد لا شيء جديداً تقدمه هذه الوثيقة، التي لا تعدو كونها ترديداً لنظريات المؤامرة الفرنسية حول (التغلغل الإسلامي) وتدعو إلى حملة قمع ضد أعضاء مزعومين في شبكات الإخوان المسلمين، ويزعم البيان التمييز بين (الإسلام السياسي) والإسلام نفسه، لكنه يبدو أقرب إلى بداية حملة اضطهاد ضد المسلمين الأوربيين.

وقد ذهب قرار أكثر صرامة من حزب الشعب الأوربي، حظي بتأييد أغلبية في البرلمان الأوربي في 8 أكتوبر، إلى أبعد من ذلك، إذ يشكك في ولاء منظمات المجتمع المدني الإسلامية ونشاطها ومشاركتها في الديمقراطية الأوربية.

وتشير هبة لطرش، رئيسة (فيميسو)، وهي شبكة أوربية تضم منظمات إسلامية شابة، والتي ذكرت صراحة في هجوم حزب الشعب الأوربي، إلى المأزق المزدوج لهذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة. وتقول: (عندما لا نكون فاعلين، نُتّهم بالنزعة الطائفية والانفصالية وعدم الاندماج، وعندما ننخرط ونمارس المواطنة الفاعلة، نتهم بوجود أجندة خفيّة).

ويتطلب هذا المناخ إجراءات أكثر صرامة لمكافحة التمييز. ومع ذلك، فقدت الشبكة الأوربية لمناهضة العنصرية، وهي أقوى هيئة مناصرة للمساواة في أوربا (إينار)، تمويل المفوضية الأوربية. وخوفاً من أن هذا قد يعني اضطرارها إلى التوقف عن العمل بحلول نهاية العام، رفعت دعوى قضائية ضد القرار أمام المحكمة العامة للاتحاد الأوربي.

وخلافا لما هو ظاهر، ثمة العديد من الأعراف غير المكتوبة التي تطبق في أروقة السلطة بالاتحاد الأوربي بعد هدم غزة، والتي يصعب قياسها ومواجهتها.

وأخبر مسؤولون في الاتحاد الأوربي الكاتبة أن الإسلاموفوبيا أصبحت (صارخة للغاية)، ومقرونة بالاعتداءات اللفظية الخفية والتصريحات التي تصف سلوك المسلمين بأنه (غير عقلاني وعاطفي).

وكما فعلت فون دير لاين في خطابها الأخير عن حالة الاتحاد، فإن الكثيرين يتحدثون الآن عن غزة باعتبارها حالة طوارئ إنسانية، لا إبادة جماعية من صنع الإنسان. وهناك اتفاق على ضرورة التحرك ضد عنف المستوطنين والاستيطان غير الشرعي في الضفة الغربية، والذي يتم تصويره بأنه سلوك مجموعة من (المتطرفين) ودون أي تحرك لمواجهة الحكومة الإسرائيلية.

وبالنسبة للكثيرين، كان هذا أيضاً وقتاً للمحادثات غير المريحة، والعلاقات الشخصية المتصدعة، وخيبة الأمل. لكن هناك أيضاً لحظات تضامن قوي، حيث امتدت الحركات المؤيدة للفلسطينيين في جميع أنحاء أوربا لتشمل النقابات العمالية، والجماعات الدينية، بما في ذلك النشطاء اليهود، والطلاب، والمشاهير وكبار السياسيين.

ففي كل خميس، يتجمع أعضاء منظمة (موظفو الاتحاد الأوربي من أجل السلام) في وقفة احتجاجية أمام المفوضية الأوربية ومجلس الاتحاد الأوربي. ويواصل مفوضو الاتحاد الأوربي السابقون والسفراء وكبار الموظفين مراسلة رؤسائهم لحثهم على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إسرائيل.

وعليه، فلم يضع الأمل تماماً، إلا أن (غزة كشفت عن زيف الكثير من الأوهام التي كنا نتمسك بها بشأن أوربا، ومع ازدياد نفوذ اليمين المتطرف، نسي كثيرون أن الحريات الديمقراطية نادراً ما تختفي فجأة، بل تبدأ بالتآكل عندما تُكمَّم أفواه البعض، وتُتجاهَل بعض المعاناة، وتُعامَل حقوق بعض المواطنين على أنها أقل استحقاقاً من غيرها).

عن (القدس العربي)

العدد 1220 - 21/10/2026