جردة قلم | حصيلة عامين من حكم السلطة المؤقتة بين نجاح على الصعيد الخارجي وفشل في الداخل
(النور):
في أعقاب سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول 2024 بدأت في سورية مرحلة انتقالية، انتظر السوريون، بسقوط النظام، أن يتمكنوا من تحقيق آمال هائلة لملايين المواطنين التوّاقين للأمان والحرية والعيش الكريم. غير أنه بعد مرور ما يقارب عامين على تولّي السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، يقف المشهد السوري اليوم أمام مفارقة صارخة وعميقة: نشاطات خارجية غير مسبوقة وصعود لطبقة مالية جديدة وثروات سيادية مليارية، تُقابلها هوّةٌ سحيقة من الفشل الميداني والانهيار الاقتصادي والمعاناة المعيشية القاسية في الداخل لملايين المواطنين يبحثون عن لقمة الخبز فوق ركام منازلهم.
انسداد الأفق السياسي وتكريس الولاء
على الصعيد السياسي، تجلّت واضحةً محاولة السلطة الانتقالية لتسويق شرعيتها وبسط سيطرتها على جميع مفاصل القرار والمؤسسات، بدءاً من الإعلان الدستوري، الذي فوّض رئيسها صلاحيات واسعة ومطلقة، دون إمكانية لمحاسبته، كذلك الأمر في مجلس الشعب الذي عقد اول جلساته في تموز 2026. فالصلاحيات المحددة للمجلس تنتقص من دوره التشريعي، ومن دوره الرقابي على السلطة التنفيذية، وإمكانية محاسبتها، كما أن المتتبع لآليات تشكيل هذا المجلس يكشف، باعتماد أسلوب التعيين، غياب التعددية الحقيقية وغياب التمثيل الملائم، فقد عيّن الرئيس 70 عضواً (ثُلث المجلس)، بشكل مباشر، فيما اختار الـ140 عضواً الباقين لجانٌ محلية تديرها هيئات تابعة للسلطة نفسها، مما يعني غلبة النمط الأحادي، وسط تجميد ممتد لعمل الأحزاب السياسية وإقصائها وغياب تشريعات تأسيسها.
ولم يقتصر الأمر على إقصاء المستقلين والقوى السياسية الفاعلة كقوات سورية الديمقراطية، بل تعدّاه إلى مقاطعة مناطق كاملة كالسويداء التي ترفض الخضوع لسلطة دمشق، مما جعل البرلمان واجهة موالية تفتقر إلى التفويض الشعبي المباشر.
المأزق الأمني.. تصاعد العنف الطائفي والاختراقات السيادية
رغم الشرعية الشكلية التي تحاول السلطة إبرازها، يشهد الواقع الميداني انفلاتاً أمنياً خطيراً أعاد شبح الاقتتال الداخلي. فقد وثّقت التقارير الدولية والمحلية موجات عنف مرعبة، ومجازر في الساحل السوري وريف حماة وحمص، وعشرات حالات الاختطاف على أساس الانتماء الطائفي، ومجازر دامية في السويداء أسفرت عن مقتل مئات المدنيين وتهجير نحو مئتَي ألف من أكثر من ثلاثين قريةً، جرى تعفيش بيوتها وإحراقها وتخريب مقومات البنية التحتية فيها، وعدم السماح لهؤلاء المهجرين بالعودة إلى بيوتهم وأرزاقهم. وترافق هذا الانفلات مع تصاعد غير مسبوق في الخطاب التحريضي واستهداف مواطنين سوريين، بذريعة أنهم فلول أو أقليات، وراح ضحيتها كثيرٌ من الأبرياء، كان آخرها عدد من الموظفين كانوا عائدين بسرفيس إلى بيوتهم بالقرب من حمص. إضافة إلى هجمات انتحارية وتفجيرات استهدفت الكنائس (مثل كنيسة مار إلياس بدمشق) واعتداءات واسعة على الممتلكات والبلدات المسيحية كالسقيلبية والحواش، وسط عجز أو تماهٍ مشبوه من القوات الأمنية المحلية.
توغلات إسرائيلية تتمادى
وعلى الجبهة الجنوبية، تجسدت الهشاشة السيادية في التوغلات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، والتي يزداد تماديها ويتسع نطاقها. فقد سجلت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نحو 280 حالة توغل في شهر أيلول 2026 وحده، شملت احتلال مرصد جبل الشيخ وتدمير المحاصيل واعتقال مواطنين سوريين وعزلهم، في خرق فاضح لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
فجوة مليارات (السيادي)!
تتجلى أعمق المفارقات وأكثرها غموضاً في المشهد المالي السوري لعام 2026 في موضوع (الصندوق السيادي السوري)، فقد أسست السلطة الانتقالية هذا الصندوق الذي بات يستحوذ على أصول ضخمة تُقدّر بـحوالي 50 مليار دولار أمريكي جُمعت من ممتلكات الدولة، ومن التسويات المالية التي عُقدت مع حيتان العهد السابق (مثل سامر الفوز ومحمد حمشو). ورغم ضخامة هذا الرقم إلّا أنه يظل مجرد (أرقام دفترية) وأصول عقارية وإنتاجية غير مسيّلة تُدار بآليات تتبع الرئاسة مباشرة دون كشوفات مالية علنية أو شفافية مؤسساتية.
بالتوازي مع ذلك برزت معالم زبائنية جديدة وصعود لـ (لجان ظليلة) وشخصيات مقربة من السلطة، يقودها أفراد مقربين من السلطة (حازم الشرع (شقيق الرئيس) وأبو مريم الأسترالي، وقتيبة بدوي، عدا الوزراء وقادة الجيش والقطاعات …الخ)، باتت تتحكم بمفاصل الاقتصاد، وبعقود إعادة الإعمار والشركات المصادرة. ونتيجة لـ (التسويات الودّيّة) التي سمحت لبعض رجال الأعمال السابقين أن يحتفظوا بمئات ملايين الدولارات مقابل التنازل عن حصص، تحولت هذه الدائرة الضيقة إلى طبقة اقتصادية موازية تفوق ثرواتها الفردية ميزانية الدولة السورية المنهكة وعجزها المالي المزمن.
الانهيار الاقتصادي وسحب الدعم الاجتماعي
في المقابل واجه المواطن السوري العادي تداعيات العجز المالي للحكومة (المقدر بـ 1.8 مليار دولار) عبر سياسات تقشفية قاسية، ففي أيلول 2026 رفعت الحكومة أسعار الديزل بنسبة 40% والبنزين والغاز المنزلي بنسب متفاوتة. وترافقت هذه القرارات مع قفزات جنونية في أسعار المواد الأساسية فقد ارتفع سعر ربطة الخبز من 400 ليرة سابقاً إلى 4000 ليرة مع تقليص وزنها أكثر من مرة. وتوقفت عشرات الأفران عن العمل، كما رُفعت أسعار الكهرباء لأرقام فلكية (٦٠ ضعفاً) تفوق قدرة معظم المواطنين على دفعها. وبحسب برنامج الأغذية العالمي فإن سحب دعم الخبز وحده أثر سلباً على حياة أكثر من 6 ملايين شخص، في وقت يعاني فيه 13.3 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مما أشعل أوسع موجة احتجاجات شعبية شملت ثماني محافظات.
مأساة المهجرين العائدين.. ركام بلا خدمات ووعود بلا ثقة
وسط هذه الطفرة المالية التي أشرنا إليها في الأعلى، يواجه المواطنون السوريون المهجرون والنازحون الذين يقررون العودة إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم واقعاً إنسانياً مأساوياً. إذ يعود هؤلاء إلى بيوتهم المدمرة ليجدوها بلا خدمات أساسية، فلا شبكات مياه ولا كهرباء ولا مستوصفات أو مدارس صالحة للاستخدام، مما يضطرهم للاعتماد على صهاريج المياه والكهرباء الخاصة بأسعار تفوق طاقتهم المعيشية المنهارة.
وتتضاعف المأساة مع الغياب الكامل للتعويضات المالية أو خطط الدعم المباشر لترميم المنازل، في وقت تغرق فيه قضايا استرداد الممتلكات والبيوت المستولى عليها في عشوائية اللجان المحلية، حيث تخرج أكثر من 90% من انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية في حلب عن نطاق الصلاحيات القانونية. وأمام هذا الواقع تحول خطاب (إعادة الإعمار) وعقود الاستثمار المطروحة مع الشركات الأجنبية والخليجية إلى مجرد كلام مرسل في نظر الشارع، إذ بات المواطن العائد لا يثق بهذه الوعود الإعلامية التي يراها تبييضاً لصورة السلطة، بينما يُترك وحيداً يفتش عن لقمة خبزه وسط الأنقاض.
الفساد يستشري..
وأدوات القمع يُعاد إنتاجها!
في الوقت الذي تغيب فيه آليات المحاسبة، تطفو على السطح فضائح فساد كبرى وصفقات مشبوهة في قطاعات النفط والزراعة والآثار (مثل البترول التي اثارت لغطاً كبيراً وعقود ترميم قصر الزهراوي بحمص البالغة 6.3 مليارات ليرة) على ذمة الرواة. وسط تعامل استعلائي من بعض مسؤولي السلطة تجاه النقد الشعبي.
وبدلاً من تبني الشفافية والعدالة الانتقالية، استعارت السلطة الانتقالية أدوات النظام السابق القمعية، إذ واصلت تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية (المرسوم رقم 20 لعام 2022) لكن لملاحقة واعتقال الصحفيين وصنّاع المحتوى المنتقدين للفساد. وبالتوازي مع ذلك أنشأت السلطة شبكات من (المؤثرين) على وسائل التواصل الاجتماعي عبر مؤتمرات دعائية كمؤتمر (سكريبت) في حلب، بهدف تكميم الأفواه وتسويق إنجازات وهمية، ما جعل هؤلاء المؤثرين محط سخرية شعبية واسعة تحت مسمّى (المطبّلين).
الامتحان الحقيقي للشرعية
في مقابل هذا التداعي الداخلي حصدت الدبلوماسية الانتقالية بعض الانفراجات في ملفات محددة، وهي تسمّيها (نجاحات)، غير أنها لا تعرض ما ستقدّمه هذه السلطة مقابل هذه الـ(نجاحات)! ويشير مراقبون إلى أن تعهّدات محدّدة بأدوار تقوم بها هذه السلطة، فيما يخص السيادة الوطنية، وفيما يخص دورها في الوضع الإقليمي.
ففي أيار 2026 استضافت بروكسل منتدى الشراكة السورية-الأوربية مقدماً حزمة مساعدات بقيمة 355 مليون يورو، وفي آب الماضي رفعت الولايات المتحدة سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب وأزالت هيئة تحرير الشام من قوائم التصنيف.
إلا أن هذه الانفراجات السياسية الخارجية والمليارات المحجوزة في الصناديق المغلقة لم تجد طريقها إلى حياة المواطن السوري اليومية وظلت حبيسة التقارير الإعلامية، دون أيّ انعكاس ملموس على القوة الشرائية للمواطن أو توفير الرعاية والخدمات له ولأسرته.
آمال السوريين.. معلّقة!
إننا هنا لا نكتب لمجرد النقد فقط، بل لإظهار حقائق تحاول السلطات ان تغلفها بغلاف من ورقٍ ممزق، وهذا يأتي بمتابعة حصيلة عامين من حكم السلطة الانتقالية في سورية. وهي تؤكد حقيقة راسخة مفادها أن الشرعية الحقيقية والمستدامة لأي سلطة لا تُصنع في أروقة العواصم الخارجية ولا بحشد المليارات في صناديق سيادية مغلقة وثروات مقربين تتجاوز موازنة البلاد، بل تُبنى في الداخل عبر صون السيادة ومحاربة الفساد وتأمين الخبز والوقود وإعادة الإعمار وتعويض المهجرين فعلاً، وتضمن قيم المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والانتقالية، وعودة الحياة السياسية بعودة الأحزاب الوطنية لممارسة دورها الوطني المنوط بها.
وحتى تَصدُق السلطة الانتقالية في امتحانها الداخلي ستبقى آمال السوريين معلقة وثقتهم بها مفقودة.