دون سلم أهلي.. وحل لمعاناة المواطنين المعيشية

ســــوريا ذاهبــــة إلى المجهـــــول

(النور):

يشهد السوريون مفارقات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتحول الكثير منها إلى أوجاع ومآسٍ، تعمّق الأزمات المعيشية التي عانوها طيلة خمسة عشر عاماً، وتطيح بأيّ أملٍ راودهم بتحقيق طموحاتهم إلى بناء سورية الديمقراطية.. المدنية، بالاستناد إلى دستور تعدّدي، يضمن حقوق المواطنة والحقوق السياسية لجميع أطياف الشعب السوري، دون النظر إلى الدين والجنس والطائفة والإثنية والمعتقد.

مازالت سلطة (الأمر الواقع) بعد عشرين شهراً من تسلّمها البلاد تتفرّد بقيادة المرحلة الانتقالية التي حدّدها الإعلان الدستوري بخمس سنوات، رغم فضح الإعلام الرسمي ليل نهار لطغيان النظام السابق وتفرّده، وتتّخذ القرارات الكبرى ضمن دائرة ضيقة من المقرّبين والمستشارين الذين يمثلون الدول الداعمة لهذه السلطة، وخاصة الولايات المتحدة وتركيا.

وهكذا وجد المواطن السوري نفسه بعيداً عن القرارات التي تمسّ مصالحه وحقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما كان الأمر خلال عقود مضت، استأثر فيها حزبٌ واحد بالسلطة في البلاد، لكنّه يشهد اليوم أيضاً تهديداً للسلم الأهلي والأمان والاستقرار، وسعياً محموماً لتكفير الآخر وتخوينه، وزرع الفتن الطائفية والمناطقية، والاعتماد على الانتماء الديني والمذهبي في استدعاء الأنصار والمؤيدين، لإقصاء وتغييب الفئات الأخرى.

إن استمرار هذه الممارسات سيجعل عودة السلم الأهلي، والمصالحة الوطنية الشاملة والاستقرار المجتمعي أكثر صعوبةً، ويدفع المواطن قسراً للعودة إلى الانتماءات ما قبل المدنية، ويجعل وحدة السوريين في مهبّ الريح.

وبعد عملية تطهير سريعة للخبرات والتشكيلات الإدارية والهياكل التنظيمية، أطلقت سلطة (الأمر الواقع) الكثير من الوعود في محاولة للتغطية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردّية، وعلى المصاعب الكبرى التي تواجه جماهير الشعب السوري للحصول على قوتها اليومي، فمرّةً يعِدون بمستقبل (سينغافوريّ)، ومرّةً بنهضة (ماليزية)، وأعلن مسؤولو السلطة الجدد عن توقيع مذكّرات تفاهم مع تجمّعات استثمارية عربية وتركية وأمريكية لإعادة إعمار سورية، وعقود مبرمة مع شركات سعودية وإماراتية، واستفاضوا في شرح تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.. لكن عدداً محدوداً من المشاريع الريعية بدأت بالتنفيذ كمشاريع العقارات وإنشاء المنتجعات واستثمار الفنادق، وهي مشاريع خاصّة بالفئات الثرية، ولا تضيف دعماً للقطاعات المنتجة في الصناعة والزراعة.. في الوقت الذي قلّصت السلطة فيه الدعم الحكومي رغم أن نسبة الفقر بلغت نحو 95٪، وتراجعت خدمات الصحة والنقل ومياه الشرب ونظافة الشوارع، بذريعة عدم توفّر المخصّصات،بينما تختال سيارات المسؤولين ومواكب مرافقتهم أمام الناس.

لقد حصرت السلطة القرار الاقتصادي بعدد محدود من المواقع المرتبطة بقصر الرئاسة كالصندوق السيادي، وهيئة المنافذ البرّية وغيرها، دون أيّ رقابة على عمل هذه الجهات، وهكذا صدرت قراراتٌ صادمة دون دراسة تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والقطاعات المنتجة، وأيضاً على الأوضاع المعيشية للمواطنين السوريين، كقرار زيادة تسعيرة الكهرباء ستّين ضعفاً، ورفع أسعار المشتقات النفطية (المازوت 40%  والبنزين 26% والغاز المنزلي 9%)، فهذ المواقع القريبة من القصر لا تستشير خبراء الاقتصاد السوري، ولا تعبأ بالاحتجاجات التي عمّت المدن السورية على هذه القرارات.

أمّا المفارقة الأكثر خطورةً وغرابة، فهي سعي بعض مسؤولي السلطة وداعميها إلى محو ذاكرة السوريين وثقافتهم، وربما هويّتهم المستندة إلى التعددية والانفتاح، ونشر سلوك التكفير والتشكيك بالرموز الوطنية والثقافية والفنية، وإعادة فرض سلوك اجتماعي وفردي غريب عن ذاكرة الشعب السوري وهويّته.

إنّها مفارقاتٌ وأوجاع لا تبشّر بقرب إنهاء معاناة الشعب السوري، ولا باستعادة السيادة السورية، ولا بوحدة سورية أرضاً وشعباً، ولا بمستقبلٍ سوريّ تعدديّ.. ديمقراطي.. مدني.

دون سلمٍ أهليّ، واستقرارٍ مجتمعيّ، ودون حلٍّ عادلٍ لمعاناة المواطنين المعيشية، فإنّ سورية ذاهبة إلى المجهول.

العدد 1218 - 7/10/2026