ضرورة التجديد التربوي في بلادنا الذي يجب أن يتمركز حول اللحاق بركب التقدم (1) | مـادة للحوار

يونس كامل صالح:

يمكن القول إن التجديد التربوي المرجو في بلادنا ليس أي نوع من التجديد، إنه التجديد الذي يتحلق حول مطلب أساسي، مطلب اللحاق بركب التقدم والحضارة العالمية.

وفي هذا الإطار يبدو لي أن التجديد التربوي المنشود عندنا ينبغي أن يدور حول محاور خمسة:

ربط المدرسة بعالم العمل،

وربط المدرسة بعالم العلم والتقنية،

وبث وسائل الثقافة والتعليم الذاتي، وأعني تعليم المرء نفسه بنفسه،

والتربية على الحياة الديمقراطية،

وتكوين إرادة العمل المشترك.

أمّا ربط المدرسة بعالم العمل والإنتاج، فمطلبٌ واضح الصلة بمستلزمات التقدم العصري، ويملك هذا المطلب أهمّيةً خاصة في مجتمعنا الذي ورث إرثاً قبلياً وطائفياً وعشائرياً مازالت آثاره باقية من حيث احتقار العمل. وفي هذا السياق لا بد من إقامة نوع من التعاون بين المدرسة وعالم العمل، ولا سيما في المراحل المتقدمة من التعليم.

ويلحق بمطلب ربط المدرسة بعالم العمل ويكمله مطلبُ ربط المدرسة بعالم العلم، وعالم التقدم العلمي التقني في أرقى صوره ومنجزاته. إن العلم عدا أنه قوام العمل والإنتاج في أيامنا هذه، هو والتقدم الحضاري عامة صنوان لا يفترقان. وهنا يجب التأكيد على أن التجديد المنشود في هذا السبيل لا يعني مجرد بث الروح العلمية، أو مزيد العناية بالمواد العلمية على أهمية ذلك، بل يعني شيئاً أوسع وأعمق وأكثر جذرية، إنه بناء مناهج التعليم وطرقه وبناه وأشكاله وكل ما فيه، بناءً جديداً انطلاقاً من حاجات الثورة العلمية التقنية، التي أدت إلى نشوء علوم جديدة، وإلى تقادم علوم عفا عليها الزمن، كما أدت إلى خلق مهن جديدة، وإسقاط الحاجة إلى كثير من المهن التقليدية.

ويرتبط بهذا كله القول بمطلب التثقيف الذاتي: إن من لم يعلم نفسه لم يعلمه معلم، وبالطبع تتيح منجزات التقنيات الحديثة، وخصوصاً فيما يتعلق فيها بإدخال الحواسيب والانترنت في التعليم مجالاً واسعاً لمثل هذا التعليم الذاتي.

وقد يبدو للوهلة الأولى أننا نقحم مطلب التربية الديمقراطية في عداد محاور التجديد المرجو إقحاماً فيه بعض القسر، ولا سيما أننا نتحدث عن التجديد التربوي في إطار التقدم الحضاري، ولا سيما التقدم العلمي التقني، وليس الأمر كذلك، فأي تقدم حضاري حق لا يمكن أن يتحقق دون تربية ديمقراطية وثقافة ديمقراطية. والتقدم التقني لا يمكن أن ينبت في غير مناخ الحرية الفكرية والعلمية والاجتماعية. والتربية لا تستطيع أن تجدد نفسها وتتجاوز ذاتها أصلاً إلا إذا كان المجال فسيحاً للنقد الفكري والحوار الحر. إن القدرة على الإتيان بالأفكار البكر، وتعوّد التساؤل عن كل شيء واعتياد الخروج من القوالب المألوفة وتجاوزها، إن كل ذلك هو أهم وسائل التربية الديمقراطية.

أما تكوين إرادة العمل المشترك فهو بحق المطلب الذي يمنح للمحاور التجديدية جميعها لحمتها وتماسكها. فالارتباط بعالم العمل والتمرس بالتعليم الذاتي والدربة على الديمقراطية أمور لا تلبس كامل معناها، ولا تتخذ كامل مداها، إذا لم تُسعفها إرادة مشتركة، توظف ذلك كله في خدمة الهدف المشترك، وتضعه في أقنية الجهود المتكاثرة المتلاقية، الهادفة في النهاية إلى بناء مجتمع حضاري جديد. إن أي دعوة لا تملك الحرارة اللازمة لانطلاقها إلا إذا انبثقت من إيمان عارم يحركها.

وأخيراً يمكن القول إن سائر محاور التجديد التي تحدثنا عنها العمل والعلم والتعليم الذاتي والديمقراطية تبقى جسداً بلا روح إذا لم يكن رائدها في النهاية بناء حضارة ينعم الجميع في أرجائها. إن سائر تلك المحاور باردة جامدة في ذاتها، لا تملك قوة الاندفاع الذاتي ما يحركها ويحرضها. وهي تلتهب وتضيء حين تتجلى أدوات أساسية لبناء مكين يعمل له الجميع.

العدد 1220 - 21/10/2026