النكبة.. كي تنفع الذكرى “1948 – 2026”

د. نهلة الخطيب:

النكبة الفلسطينية ليست ماضياً نتذكره وإنما (هي كلمة تلخص الحياة تحت الاحتلال، هي مسار طويل لمعاناة بدأت في تلك السنة، قتل وتهجير ومصادرة أراضي وبناء مستوطنات)، ومازال الفلسطينيون يعيشون الآن نكبة في غزة في حربها المستمرة بين نكبتين، وهي امتداد لثقافة النكبة منذ 1948، ونحو مزيد من سياسات التهجير القسري والتصعيد غير المسبوق لعصابات صهيونية متطرفة يرأسها نتنياهو، على مدى 78 عاماً، شملت حروباً عبثية على كل الجبهات لتحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة؟! والمشروع الصهيوني مستمر بل ويتعاظم وقد وصل إلى حد الجنون، الآن أمريكا في ذروة جنونها وإسرائيل في ذروة جنونها لن تتوقف عن قتلنا ونزع سلاحنا، فالحلم التوراتي (مملكة إسرائيل) قاب قوسين هكذا يرون، والإسرائيليون لا يقاتلون إلا عبر الأمريكيين. خسرت فلسطين ولم تربح إسرائيل وبقيت الروح الفلسطينية في عيون كل طفل ميت وفي حجارة كل بيت مهدم، هذا ما يجعلهم خائفين على إسرائيل، الأمريكيون الغارقون في الأزمات الداخلية والأزمات الخارجية يتدخلون باسم الإنسانية لحماية إسرائيل وخروجها منتصرة والسعي للقضاء على خصومها بعد فشلها في تحقيقه بالسلاح على مدى عامين من حربها على غزة، ترامب وضع يده على غزة وخطة السلام جاءت لنصرة غزة وإعادة الحياة بعد عامين من القتل والدمار وغرساء السلام في الشرق الأوسط وليس في غزة فقط!! بل لإعادة تشكيل النمط السياسي والاجتماعي في القطاع والمنطقة بشكل آخر للحصار وشكل آخر للاحتلال، نسخة جديدة من صفقة القرن رؤية ترامب 2020 بعد حرب الإبادة الجماعية على مدى عامين وتدمير قطاع غزة، وهي مشروعه الرئيسي، منذ ولايته الأولى طرح ترامب خطة السلام والازدهار التي عرفت بصفقة القرن، وهي خطة لتصفية القضية الفلسطينية وتجاهل القضايا الوطنية الكبرى. لا دولة فلسطينية ولا وحدة أراضيها ولا سيادة لا عودة للاجئين والقدس عاصمة لإسرائيل وتحويل الضفة الغربية إلى مجموعة كبيرة من الكانتونات تتصل بجسور وأنفاق، تم رفضها في كل الفصائل الفلسطينية وكل قطاعات الشعب الفلسطيني وفشلت حينذاك، الآن يعود ترامب بصفقة القرن محدثة، وهذا ليس تحليلاً، بل هناك بند في هذه الخطة البند التاسع ينص على خطة السلام والازهار، سلام ووعيد لا وجود للمقاومة واستبعاد أي دور للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، يريد غزة عارية ومنزوعة السلاح أمام إسرائيل.

على مدى الـ78 عاماً لم يحاول المجتمع الدولي ايجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي الذي يعكس تداعياته على منطقة الشرق الأوسط بكاملها، إذ لا استقرار بالمنطقة دون حل حقيقي للشعب الفلسطيني، ويقف عاجزاً مع ضياع الحقوق الفلسطينية الموثقة بموجب قرارات الشرعية الدولية (194 و242)[1]، ومع غياب أفق لعملية سلمية لحل الصراع الإسرائيلي العربي، لا بل نالت إسرائيل اعترافاً بدولتها  بدعم أمريكي وغربي وتدعم سياساتها وتغطيها كونها امتداداً لها في منطقة الشرق الأوسط ولاعتبارات أخرى، كدولة ديمقراطية وإثنية تخص اليهود فقط لم ترسم لها حدود وتفتقد لدستور، (فإسرائيل ليست مجتمعاً حقيقياً بل هي شبه دولة زمنها محدود ومواطنوها موجودون فيها إلى ان يصيبهم الذعر فيضطرون لمغادرتها)[2] والكلام لإدوارد سعيد.

البداية كانت عندما طالب ليوبنسكر، وهو طبيب روسي يهودي سنة 1881 بضرورة جمع اليهود من أرجاء العالم في إقليم يمتلكونه ليكَون أمة يهودية، ثم تبعه هرتزل فرشح فلسطين لتحقيق الحلم باعتبارها الموطن الأصلي لليهود كما يدعي، وقد لقي طرحه تأييداً من الانتداب البريطاني حينها، فبدأ المليونير اليهودي البريطاني أحد زعماء الحركة الصهيونية ليونيل دي روتشيلد ببناء المستوطنات حتى وصل عددها إلى 39 مستوطنة يقطنها 12 ألف يهودي عام 1882، وكانت أول خطوة رسمية يقوم بها الغرب لإقامة كيان لليهود على أرض فلسطين وعد أطلقه وزير الخارجية البريطانية آرثر جيمس بلفور عام 1917 لروتشيلد سمي باسمه (وعد بلفور) وتعهدت فيه الحكومة البريطانية بإقامة دولة لليهود في فلسطين، عندما دخلت القدس في 11/12/ 1917[3]، وتم الموافقة عليه من قبل فرنسا وإيطاليا واليابان رسمياً ثم الرئيس الأمريكي ولسون، وفي مؤتمر فرساي عام 1919 قدمت الحركة الصهيونية خطة تنفيذ مشروع استيطان فلسطين، وفي عام 1923 وُضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني بموافقة عصبة الأمم على مشروع الانتداب ووضع وعد بلفور حيز التنفيذ.

جاءت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وهي اتفاق وتفاهم سرّي بين فرنسا وبريطانيا عقدها الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا بيكو والبريطاني مارك سايكس بمصادقة من الامبراطورية الروسية على اقتسام الهلال الخصيب بينهم، بعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1922وضعت فلسطين وسورية والعراق تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، فتخلصت من استعمار ليتولاها استعمار، وما تزال عذابات الشعب الفلسطيني شاهداً حياً على وحشية الامبراطورية البريطانية المندثرة والمرهونة بوعد بلفور عام 1917 المبني على تشكيل وطن لعصابات إجرامية يعتنقون الديانة اليهودية، ارتكبت خلال فترة انتدابها عدداً من المذابح بحق الفلسطينيين وقمعت الثورات الفلسطينية (ثورة البراق والقسام والثورة الفلسطينية الكبرى)، وسهلت هجرة اليهود إلى فلسطين وامتلاكهم الأراضي الفلسطينية، بنت لهم مستعمرات وما زالت تحتضن إسرائيل وترعاها إلى الآن.

عملت الحركة الصهيونية باعتبارها حركة سياسية لليهود في كل أنحاء العالم، على وضع خطط ترويج لدعوى عودة اليهود إلى الأرض المقدسة مستفيدة من أطماع الدول الاستعمارية الأوربية في الشرق الأوسط، وتوافد المستشرقون وعلماء الآثار على القدس باعتبارها مهد المسيح ومكان دعوته وبوصفها أرض التوراة، وأسست جمعيات ومؤسسات ومدارس بحثية من أجل العثور على أي أثر يثبت حقها في العودة وعملت على تكوين منظمات لتأمين هجرة اليهود وتدريبهم على القتال، الهاغانا، البلماخ، الارغون، الشتيرون[4]، وعملت على تسويق فكرة الاضطهاد والمظالم التي يتعرض لها اليهود وخاصة استغلال الممارسات النازية ضد اليهود بألمانيا وأوربا، وهناك وثائق تفضح تورط هذه الحركة في المحرقة النازية لإجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين[5].

بدأت الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى وصل عددهم إلى 100 ألف مهاجر، قاموا بالإرهاب والعنف واغتصاب الأراضي الفلسطينية بمساعدة البريطانيين وطرد أصحابها منها بالقوة وتنفيذ أبشع المجازر بحق الفلسطينيين راح ضحيتها آلاف المدنيين العزل من أطفال ونساء على يد عصابات الهاغانا والشتيرون، مما أدى إلى حدوث الهجرة الكبرى[6] في 5 أيار عام 1948،(كنا معروفين بكل بساطة بصفتنا اللاجئين العرب الذين هربوا لأن زعماءهم طلبوا منهم أن يهربوا)[7].

أعلن ديفد بن غوريون رسمياً في 14 أيار 1948 عن قيام دولة إسرائيل التي خاضت حرباً مع سورية والأردن ولبنان ومصر كانت نتاجها تقسيم القدس إلى قسميين القدس الغربية لإسرائيل وشرقية للأردن. بناء عليها تم رسم خريطة لحدود غير رسمية بين إسرائيل والعرب بسبب أطماع إسرائيل التوسعية في المنطقة العربية وتم إعلان أن القدس الغربية هي عاصمة لدولة إسرائيل وسميت تل أبيب كعاصمة مؤقتة لهم في 3 /12/ 1948، لم يلتزم الكيان الصهيوني بقرارات الشرعية الدولية على قساوتها وآلامها بضمنها قرار الأمم المتحدة رقم 181 الذي قسم فلسطين التاريخية إلى دولتين إسرائيلية وفلسطينية والقرار الدولي رقم 194 الذي نص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم والتعويض عن خسائرهم الوطنية والخاصة، وأضاف نكبة جديدة إلى نكبات الشعب الفلسطيني في عدوان عام 1967 باحتلاله ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية مضيفاً بذلك تشريداً جديداً أليماً للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية وفي بلدان اللجوء والشتات.

يحتفل الإسرائيليون بذكرى استقلالهم في 15/5/ 1948، استقلالهم يعني نكبتنا كفلسطينيين، وتعني هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 وإقامة إسرائيل على 67% من فلسطين، ثم هزيمتهم في حرب النكسة 1967 وإضاعة بقية فلسطين وأراضٍ عربية أخرى كانت نتاجها رسم خريطة لحدود غير رسمية بين إسرائيل والعرب.

احتلت إسرائيل القدس الشرقية واعتبرتها جزءاً لا يتجزأ منها رغم رفض المجتمع الدولي وعدم اعترافه بالضم، وإلى الآن تعتبر منطقة متنازع عليها، وصدرت موافقة على مشروع قرار من الكنيست بضم القدس الشرقية إلى إسرائيل سياسياً وإدارياً وفي العام نفسه خضعت القدس الشرقية للقوانين والنظم الإدارية، وفي 30/7/1980 أقر الكنيست القانون الأساسي (القدس الموحدة) واعتبار القدس بشطريها عاصمة موحدة لإسرائيل ومقراً لرئاسة الدولة والحكومة والكنيست والمحكمة العليا، ضارباً كل مساعي السلام والتسوية، وبدأت محاولات إسرائيل للحصول على اعتراف دولي وخاصة أمريكا لاعتماد القدس عاصمة لها وفي 23/10\1995 صدق الكونغرس على قانون يسمح بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة مع إعطاء الرئيس كامل الصلاحية للتوقيع، وفي ظل هذا المشهد تغيبت أي أفاق لحلول سياسية أو تسويات.

عملت إسرائيل على طمس الهوية الفلسطينية وتصفية القضية وبناء المستوطنات في القدس وكل فلسطين، وربطت الفلسطينيين في القدس بمنظومة إسرائيل الاقتصادية والمعيشية من أجل بسط سلطتها على الأقصى والقدس، توترت الأوضاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين داخل احياء القدس واندلعت مواجهات عنيفة فكانت الانتفاضة الأولى (1987-1990) تلتها مفاوضات سلام بين إسرائيل وأطراف النزاع العربية اعترفت إبانها منظمة التحرير الفلسطينية بالقرار 242 والذي يحمل في طياته اعتراف ضمنياً بدولة إسرائيل، وفي عام 1993 جرت محادثات سرية بين الطرفين في أوسلو النرويجية أفرزت اتفاق اوسلو وهو اتفاق سلام وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل برعاية أمريكية في واشنطن، تنص على إقامة سلطة حكومة ذاتية ومجلس تشريعي منتخب في الضفة وغزة لفترة انتقالية خمس سنوات يتخللها مفاوضات للتوصل إلى تسوية دائمة على أساس قرارات مجلس الأمن (242-338)[8]، وطبعاً إيجاد حل للقدس واللاجئين والحدود والثمن الاعتراف بإسرائيل كدولة، كيف لنا أن نراهن على ولادة دولة فلسطينية على يد من صنع القاتل والقتيل بقنابل من سقط آلاف من الفلسطينيين، ومازلنا نراهن على الوسيط الأمريكي بعد كل التجارب؟!

طٌرحت العديد من المبادرات للسلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بدأت بمبادرة السلام العربية التي طرحتها السعودية وتبنتها جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تلتها اللجنة الرباعية الدولية وهي لجنة مختصة في الصراع العربي الإسرائيلي والمؤلفة من أمريكا وروسيا والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة [9]، ولكن ذلك عبث، فقد بدأت إسرائيل عام 2003 ببناء جدار الفصل لحماية المدن الإسرائيلية من الفلسطينيين ورأى المجتمع الدولي أن هذا يقلل فرص إطلاق مفاوضات سلام بين الطرفين المتصارعين وفي عام 2004 أعلنت محكمة العدل الدولية أن بناء الجدار وسيطرة إسرائيل على القدس الشرقية إجراء غير قانوني بموجب القانون الدولي. ومازال التطبيع مجانياً (اتفاقات أبراهام) مما منح هذا الكيان الهلامي الحدود التوسعي شرعية غير قانونية نتنياهو أسقط كل اتفاقيات السلام ووضع الكثير من العرب في موقف تاريخي حرج فاضحاً حالة العجز التي تعاني منها الدول العربية والمرشحة للاستمرار لعدة عقود قادمة.

بلغ اليأس والإحباط مداه عند الشعب الفلسطيني، الكل يعلم أن مصيرنا كشعب موضوع الآن على الطاولة، وشخصياً أتوقع ما هو أشد هولاً مما شهدناه منذ 1948، نحن أمام نكبة أكثر مأساوية من نكبة 48، والتهديد باحتلال كل فلسطين وطرح علني لتهجير جماعي للفلسطينيين قسراً ولن يبقى فلسطيني فيها، يشكل اللاجئون الفلسطينيون على أراضيهم وفي المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وبلدان الاغتراب القسري نحو 65% من مجموع الشعب الفلسطيني، ونتنياهو يتوعد بتحقيق حلمه التوراتي الذي يبتلع أجزاء كبيرة من الدول العربية ناسفاً كل الاتفاقيات والمناشدات بإيقاف الحرب.

محاولة إسرائيل تغطية الفشل بارتكاب المذبحة تلو الأخرى، والرغبة في حسم الصراع بالقوة والتدمير والقتل، وخاصة أنها أمام مفترق وجودي، لكنهم أمام نوع آخر من الفلسطينيين، ظهر في الميدان القتال حتى الموت، لا دبابات ولا مدرعات ولا قوة بحرية، وفي ظروف تفوق التصور بأهوالها وبويلاتها، ليقولوا إن فلسطين ما زالت حية وستبقى حية مدى الدهر. ولم نزرع شيئاً حتى نحصد كل هذا الخراب، سوى أننا فلسطينيون!!! وما يتطلبه من خطوات لتصحيح ومعالجة الأوضاع الداخلية الفلسطينية وآليات المقاومة الشعبية الضرورية والمطلوبة أيضاً، الاستفادة من البصمة الصينية في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وإنعاش اتفاق بكين الذي وضع خطوات للمصالحة الفلسطينية.

[1]           – سرور طالبي، أهم قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بالقضية الفلسطينية، مركز جيل البحث العلمي، سلسلة المحاضرات العلمية، فبراير 2022.

 

[2]           الحرب من اجل فلسطين، تعقيب ادوارد سعيد.

 

[3]           – 100سنة على اتفاقية سايكس بيكو.. والتقسيم مستمر. موقع جريدة الشرق الاوسط.

 

[4]           – معاني النكبة \الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، تحولات عبر الزمان والمكان.

 

[5]           – دولة الارهاب، كيف قامت اسرائيل الحديثة على الارهاب، توماس سواريز، 2018.

 

[6]           – مرجع سابق، دولة الارهاب، توماس سواريز.

 

[7]           مرجع سابق

 

[8]           مرجع سابق، سرور الطالبي

 

[9]           – القضية الفلسطينية والمتغيرات الدولية- موقع السياسة الدولية.

 

العدد 1199 - 20/05/2026