الأوضاع الراهنة في سورية ومهام القوى اليسارية
بقلم: الرفيق نجم الدين الخريط / الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد:
أعتقد أنه لا يمكن الحديث عن الأوضاع في سورية – ولو بعدة أسطر – بمعزل عما يجري في العالم من محاولات لإعادة تشكيل التوازنات الدولية بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، إذ لطالما شكّل هذا الشرق مركزاً استراتيجياً لتقاطعات وتناقضات المصالح الرأسمالية، وسورية في قلب هذا الشرق لأسباب عديدة، لعلّ أهمها موقعها الجيوسياسي.
تعمل الولايات المتحدة ليل نهار، وبسرعة لافتة، لاجتثاث جذور أي مقاومة لمشاريعها الاستعمارية، عبر سياسة تفجير التناقضات في بلداننا، وإحياء النزاعات والخلافات الإثنية والطائفية، وعبر الحصار الاقتصادي، بل وحتى بواسطة الضربات العسكرية كما يجري الآن.
إذاً نحن جزء من تصميم جديد للمنطقة، تصميم يريده الأمريكي لخدمة مصالحه، وللحفاظ على أمن إسرائيل، ويبارك جميع ممارساتها العنصرية والتوسعية والإجرامية، عبر التوقيع على اتفاقيات تقرّ بـ«حقها» المزعوم في الاحتلال والسيطرة.
هذا ليس اتهاماً ولا تجنّياً على أمريكا وأتباعها – كما يتهمنا البعض – لأننا، نحن معشر اليساريين والشيوعيين، لا نعلّق مصائبنا دائماً على مشجب الإمبريالية وأمريكا وإسرائيل، بل إن ما يحدث فعلاً على الأرض يعكس بوضوح ما صرّح به زعماء أمريكا أنفسهم بكل صراحة ووقاحة.. ألم يتحدث المبعوث الأمريكي «باراك» أكثر من مرة عن إعادة تقسيم المنطقة على أساس «سايكس – بيكو» جديد؟ ألم يصرّح «ماركو روبيو»، وزير خارجية أمريكا، في مؤتمر ميونخ للأمن، بعبارات تدعو إلى عودة الاستعمار من جديد؟
لقد أثبتت الأحداث والتطورات أن هذه حقيقة وليست اتهاماً أو تهرّباً، فمشكلات بلادنا في الشام والعراق والسودان وليبيا واليمن ناتجة عن التدخل ومحاولات استمرار السيطرة والهيمنة الإمبريالية، ويرى بعض منظّري السياسة الأمريكية أن ذلك لن يتم إلا بتحطيم الدولة السورية لكونها تشكّل ركناً أساسياً في معادلة إقليمية معقّدة، فإذا تغيّرت سورية أو أضعفت، فإن موازين القوى في المنطقة ستتبدل جذرياً.
سورية اليوم بين الأطماع التركية والأطماع الإسرائيلية برعاية أمريكية، فمن جهة يستنكر أردوغان العدوان الإسرائيلي على غزة وسورية واحتلالها لأراض سورية، بينما يسمح لنفسه باحتلال أجزاء منها طمعاً في توسيع نفوذ بلاده، كذلك إسرائيل، التي ترتكب المجازر اليومية بحق الشعب الفلسطيني، تتوغّل في الأراضي السورية بعد أن دمّرت القدرات الدفاعية للجيش السوري، وتستولي على مواقع استراتيجية، وتتحرك قواتها في بعض المناطق دون رادع، ثم تدّعي أنها تدخلت «للدفاع» عن «مكوّنات سورية»، وتقدّم نفسها كمدافع عن «حقوق الإنسان» و «حق تقرير المصير».
إذاً، كل دولة كان لها موقف من الكيان الصهيوني باتت عرضة للضغط أو الإضعاف أو الاستهداف إذا اقتضت المصالح ذلك، وما جرى في سورية لم يكن بعيداً عن لحظة توافق دولي – إقليمي جرى الإعداد لها منذ سنوات، أفضت إلى إسقاط النظام السابق ضمن شروط ومعادلات جديدة.
إن ما حدث في سورية «زلزال» كبير، ليس فقط بسبب سقوط نظام لم يكن بمنأى عن الأخطاء والمسؤوليات، بل بسبب الأسئلة الكثيرة التي لم تلق أجوبة كافية حتى الآن، رغم كثرة ما قيل وكتب ونشر حولها.
أمام هذه المتغيرات الكبرى، وأمام الغطرسة الأمريكية، وما تقوم به إدارة ترامب من سياسات عدوانية تجاه عدد من الدول، في انتهاك واضح لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وسيادة الدول، يبرز سؤال جوهري: ما المطلوب من القوى الوطنية الديمقراطية اليسارية؟
أولاً، ومن منطلق فهم تاريخي جدلي، فإن الشعوب وقواها الحية قادرة على صنع التحولات الكبرى دفاعاً عن استقلالها وسيادتها، كما أن الرأسمالية العالمية تعيش أزمات متراكمة تدفعها أحياناً إلى سلوكيات عدوانية وغير محسوبة.
إزاء ذلك، فإن المطلوب يتمثل في:
تشكيل جبهة أممية لمناهضة الإمبريالية والصهيونية.
بناء جبهة مقاومة عربية شاملة في مواجهة أشكال الاستعمار والاحتلال والتدخل الأجنبي.
ربط النضال الوطني بالنضال الاجتماعي، وتشكيل جبهات وطنية شعبية واسعة.
فضح السياسات النيوليبرالية والخطابات الطائفية.
الوقوف الحازم ضد جميع أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني.
التسلّح بالفكر العلمي والوعي الطبقي، وتعزيز الخطاب الوطني الديمقراطي الجامع.
إحياء المقاومة الوطنية بما يخدم الدفاع عن الحقوق الوطنية والقومية.
أن يكون اليسار في طليعة المدافعين عن حرية الإنسان وكرامته.
العمل الجاد لإعادة الاعتبار لدور اليسار في النضال الوطني والاجتماعي.
السعي إلى وحدة شعبية عربية لمجابهة المخاطر المحدقة بشعوب المنطقة.
أما في سورية، فإن المطلوب اليوم، إضافة إلى ما سبق:
تجنيب البلاد مزيداً من سفك الدماء، ووقف جميع أشكال الشحن الطائفي والمذهبي.
رفض التقسيم والتصدي لدعاته.
السعي إلى إنهاء كل أشكال الاحتلال على الأراضي السورية بالوسائل المشروعة.
إنه لا حل يضمن الاستقرار في سورية إلا حل سياسي شامل، يضم جميع أبنائها، ويصون حقوق المواطنة ضمن دستور عصري يكرّس وحدة سورية أرضاً وشعباً، ويؤسس لقوانين عادلة تكفل الحرية والأمان والعدالة للجميع.
ولا بد من خطوات تنفيذية عملية عبر حوار وطني شامل يفضي إلى خارطة طريق تنقذ سورية، وتضع أسس إعادة الإعمار، وعودة النازحين والمهجّرين، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، ودون ذلك ستبقى الأوضاع عرضة للمخاطر، وسيظل شبح التقسيم والتفتيت ماثلاً، وهو ما لا نريده لوطننا ولا لشعبنا، فسورية لنا جميعاً، ومسؤولية حمايتها وصون وحدتها واستعادة دورها مسؤولية وطنية جامعة.
ينشر بالتزامن مع الزميلة (نضال الشعب)
التي نصدرها جبهة النضال الشعبي