اللعب على المكشوف
د. نهلة الخطيب:
ما نشهده اليوم تصدع منظومة الطغيان والهيمنة التي قامت على الظلم وانتهاك الحقوق وسرقة مقدرات الشعوب، كل القوى العالمية والإمبراطوريات تصل إلى نقطة يصبح فيها التوسع غير مستدام، فالتاريخ لا يعيد نفسه ولكنه يتناغم، الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، فهي تنهار عندما يعتقد قادتها أن القوة تكفي وأن الحلفاء يمكن ابتزازهم بدلاً من احترامهم، فتهتز ثقة الأخرين بها فتسقط عندما تخسر حلفاءها لا عندما يهاجمها أعداؤها، وعلى أمريكا والنخب الغربية التي اعتادت (ملء البطون باللحم البشري أن تفهم أن حفل مصاصي الدماء يشارف على الانتهاء).
لم تكن يوماً الأمور بهذا الوضوح ولم يعد الخداع ممكن، بدأ اللعب على المكشوف ودون مواربة تكشف وجه أمريكا الحقيقي وتكشفت أخلاق قادتها ورؤسائها، ترامب الذي يتعامل بأخلاقه يسخر من أوباما وزوجته بصور تذكر بالخطاب العنصري عبر التشويه والاهانة الشخصية، تصرف يعد انحداراً خطيراً في الخطاب العام من رئيس أكبر دولة بالعالم يؤجج الكراهية ويسطح الخلاف السياسي، كلينتون وزوجته تحت الابتزاز الأسود سيقلب الطاولة ولن يكون كبش فداء في جلسات سرية سيفتح الدفاتر أمام الشعب الأمريكي بشكل علني، أمريكا الآن أكثر انقساماً من أي وقت مضى، تنهار ببطء، أزمة اقتصادية وتوترات سياسية انقسام داخلي بين يسار غاضب ويمين متطرف مسلح ينذر بالعنف العشوائي ويؤكد حتمية اندلاع حرب أهلية، المرحلة خطيرة جداً على أمريكا التي تريد تشديد قبضتها على النظام العالمي والسيطرة عليه بالقوة العسكرية، فالمعركة اليوم هي حرب عالمية لن تتوقف حتى يتمخض عنها نظام عالمي لم تحدد هويته إلى الآن.
عندما تخوض إسرائيل حروباً في كل مكان لتغيير الشرق الأوسط ورسم حدود إسرائيل الكبرى، ونحن نرى أن الشرق الأوسط أصبح محمية أمريكية وفي المراحل الأخيرة من تنفيذ الخطة التي بدأت منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 لتحويله الى مستوطنة إسرائيلية!! وكأن التغيير قد حدث فعلاً، أجل إسرائيل كبرى، فملفات إبستين كشفت أن إسرائيل دولة فوق عظمى وليس دولة تسعى أن تكون كبرى، ودلالة تأثيرها الزلزالي على مسار السياسة العالمية في الفترة المقبلة، ملفات إبستين تكشف أسرار التوغل الإسرائيلي المخابراتي في حياة ومصير قادة العالم ومشاهيره واستغلالهم لخدمة المشروع الصهيوني بأبخس وأحقر الوسائل.
إعلان الحرب على إيران هو جزء لا يتجزأ من الرؤية الإسرائيلية بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، إعلان حرب شاملة والتحضيرات الإسرائيلية الأمريكية لضرب إيران كانت منذ وقت طويل (خطط استراتيجية منذ 2010)، تحضيرات تنبئ باندلاع حرب لاريب بها فالخلاف استراتيجي على منطقة نفوذ مهمة لتطويق الصين واحتوائها فضلاً عن استراتيجية الحركة الصهيونية العالمية، فإسرائيل لا يمكنها أن تعيش مع قوى معادلة لها، إيران العدو على المدى القريب وعلى المدى البعيد تركيا، مما دفعها لتحالف تركي مصري عسكري واقتصادي لمواجهة الطوفان الصهيوني، فالكل في خطر.
حرب إسرائيل هي حرب أمريكا، وترامب يخشى من عدم تنفيذ أوامر اللوبي الصهيوني بقصف إيران، قد يكون لديه خيارات ومسارات فمن السهل خوض الحروب ولكنها تصبح مستنقعاً يصعب التحكم بها، وبالتالي سيشهد النظام العالمي في ظل وجود حالة من السيولة محطة جديدة للصراع واندلاع مواجهة عالمية قد يؤدي إلى صراع مفتوح وحرب نووية تمتد عبر الحدود تزعزع استقرار المنطقة كلها وتهدد المصالح الأمريكية، لكن إسرائيل تقوده لمسار أخر بعد ابتزازه بملفات أخلاقية نشرت بملايين الوثائق سيتم إدانته ويدخله السجن إلى الأبد وينهي حياته السياسية، وراء كل فضيحة هدف سياسي، إما لجم الرئيس أو دفعه للأمام دون تردد، واللعب أصبح على المكشوف.
مقابل الخيارات الاستراتيجية الأمريكية خيارات استراتيجية إيرانية، إيران باستراتيجية الفوضى الشاملة في المنطقة كخيار شمشوم وتوسيع الحرب إلى أبعد مداها. إيران قالتها مراراً أن إسرائيل ان بدأت الحرب على إيران ولكنها لن تستطيع إنهاءها على شروطها الخاصة، إيران على مفترق طرق تعاني بها على كافة الجبهات إما أن ترسم لنفسها مساراً للرد والردع بشكل حاسم ويكون لردها الاستراتيجي تبعات، وإذا تمكن الايرانيون من الصمود لابد أن تكون نهاية إسرائيل، وإن لم ترد ستكون تبعات أقسى وأقوى تؤدي إلى إنهاء النظام من الداخل وليس من الخارج وهذا سيؤدي لدولة بحجم إيران سكانياً وثقافياً وحضارياً إلى السقوط والانهيار، والسؤال هل تملك إيران القدرة كما تعدنا على الرد بطريقة تظهر للعالم أن إيران دولة اقليمية يعتد بها، وهل يمكن لإسرائيل وأمريكا أن تنتصرا؟؟
هناك تدخل دولي لفرض حل دبلوماسي بين أمريكا وإيران، المفاوضات غطاء وادعاء بالنصر ولو كانا خاسرين، أمريكا تريد السلام بالقوة وإيران لا تفاوض بمنطق القوة، ثوابتها تترسخ بتمسكها ببرنامجها النووي والدفاعي وأنه ليس للمساومة أبداً، تجميد الاختبارات النووية والتخلي عنها بدون شروط مسبقة ومناقشة نزع برنامجها النووي والباليستي والتخلي عن دورها الإقليمي وهو الأهم طبعاً مستثنى، فلا جدوى من المفاوضات بشأن التخلي عنه أكده وزير خارجيتها عراقجي اليوم (صفر تخصيب أمر مستحيل)، إيران لن تستجيب لهذا العرض ولكنه لا يزال مطروحاً ولو ظاهرياً، هو عرض غير جاد ومجرد خطاب أمريكي لن ينجم عنه شيء اطلاقاً.
وبعد ذلك ما يمكننا توقعه هو أن أمريكا ستدخل حرباً شاملة مع إيران حرباً ستكون طويلة هذا ما يخطط له الإيرانيون رغم وجود اختلال هائل بينهما على الصعيد العسكري والاستخباراتي وهذا سيدمر الطرفين، إيران لا تملك القدرات التكنولوجية التي تملكها إسرائيل لديها مخزون كبير من الأسلحة مع دعم أمريكي غربي، ومن الخطأ مقارنة القدرات الدفاعية وإيران تحت عقوبات اقتصادية وسياسة الضغط الأقصى بتشديد العقوبات والحصار الخانق منذ أكثر من أربعة عقود وحرب اقتصادية وتكنولوجية من أمريكا وحلفائها، ولكن إيران تمتلك قدرات باليستية لا يستهان بها ستصل إلى إسرائيل فضلاً على تقدمها التكنولوجي بصناعة المسيرات منخفضة التكلفة أثبتت نظرية أن براعة الجيوش في الحروب تعتمد على الذكاء الاصطناعي كجزء من التقدم التكنولوجي مما دفع أمريكا والصين للمنافسة بهذا المجال لرسم المشهد العالمي المستقبلي.
روسيا والصين وجدا أن الأمر تجاوز مداه عندما أقر ترامب التدخل المباشر وأقر التخلص من النظام الإيراني إذا لم تتنازل إيران وتستسلم وتتخلص من العقيدة النووية والصاروخية، مع دخول أمريكا هذه الحرب مباشرة يعني أنها آخر الحروب الأمريكية إيران لن تخسر هذه الحرب ولكنها لن تكسبها لكنها حرب الكبرياء، أمريكا ستقصفها بشدة ستعيد إيران عقوداً إلى الوراء وستكون كارثية على دول المنطقة، وأمريكا ستخسر هذه الحرب فتجبر على الخروج من الشرق الأوسط ستكون نهاية للوجود الأمريكي بالمنطقة ونهاية المشروع الصهيوني أيضاً، فلا عجب أن تكون غزة من صنعت النهاية.