في ذكرى استشهاد القائد الشيوعي الكبير فرج الله الحلو.. ملحمة فرج الله الحلو عميد الشهداء الشيوعيين والمناضلين من أجل التحرر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعيةفي سورية ولبنان

إعداد نبيه جلاحج:

لم تكد شمس الخامس والعشرين من حزيران 1959 تغيب عن سماء دمشق، حتى كانت حياة هذا القائد الشيوعي الكبير فرج الله الحلو قد انتُزعت منه تحت وطأة التعذيب الوحشي الذي مارسه عليه زبانية مباحث النظام آنذاك، متوهّمين أنهم بذلك يطفئون مشعل الوطنية والحرية والتقدم الذي كان يرفعه بكل شجاعة وصلابة طوال حياته.

وإننا إذ نقف اليوم إكباراً وإجلالاً أمام الذكرى الحادية والستين لذكرى مأثرته المجيدة، فليس بغية تقديس هذه الشخصية المميزة في تاريخ الحزب الشيوعي السوري واللبناني، وهو يستحق ذلك، وإنما_ وهو الأساس_ بهدف استخلاص الدروس والعبر من سيرته الشخصية ومسيرته النضالية في جميع المجالات الفكرية والسياسية والتنظيمية والسعي للعمل على ضوء ذلك.

حينما ولد فرج الله في 6حزيران من عام 1906 في بلدة (حصرايل) من قضاء جبيل في لبنان، كانت عائلته الريفية تعاني الفقر وشظف العيش، مما اضطره مبكراً وهو في العاشرة من عمره لترك الدراسة أكثر من مرة، ومن ثم الانتقال بعد الحرب العالمية الأولى من قرية أو بلدة إلى أخرى بين لبنان وسورية، سواء لمتابعة الدراسة أو العمل أو التدريس أحياناً، في ظروف حياتية صعبة. إلا أنه خلال هذا التنقل والترحال، فضلاً عن شغفه بالقراءة والثقافة، راكم فرج الله الحلو تجارب ومعارف ووعياً وطنياً وطبقياً متقدماً. (وأصبح في أفكاره وتحولاته السياسية قومياً عربياً تقدمياً ذا نظرة علمية إلى المجتمع والكون والحياة)1.

وكان من محاسن تنقّله المستمر أن تعرّف عام 1931، خلال التحاقه بالمدرسة الإنجيلية في حمص لمتابعة الدراسة والتدريس فيها، إلى ناصر حدّة، أحد المسؤولين في الحزب الشيوعي السوري اللبناني، وكانت تلك بداية الطريق نحو الشيوعية. فقد عاد بعدها إلى بلدته حصرايل، وشارك مع رفيقه ونسيبه يوسف خطار الحلو في تأسيس أول منظمة حزبية في منطقة جبيل، بحضور فؤاد الشمالي (أمين عام الحزب آنذاك). وإذ انتقل بعدها إلى دمشق تعرّف على عدد من الشخصيات الوطنية فيها، وكان من بينها خالد بكداش، الذي تحول لاحقاً إلى أحد رموز الحركة الشيوعية مع ناصر حدة ورشاد عيسى وآخرين ممن أصبحوا القادة الأساسيين للحزب في سورية ولبنان.

تابع فرج الله إثر ذلك نشاطه كمسئول حزبي في منطقة بلاد جبيل، ليس كقائد حزبي وحسب، بل وكمحرض وكقائد للعديد من المعارك الاجتماعية دفاعاً عن مصالح الفلاحين، وكذلك عن المطالب والمصالح الأخرى لأهل القرى والبلدات في تلك المنطقة.

في عام 1933 أرسلته قيادة الحزب إلى موسكو للدراسة في أحد المعاهد السياسية العليا. عاد بعد سنة من الدراسة إلى منطقته وتابع عمله الحزبي لتعزيز مواقع الحزب والدفاع عن مصالح الفئات الشعبية فيها، ونظراً للنجاحات التي حققها في نشاطه، أرسلته قيادة الحزب إلى حلب ليمارس الدور ذاته، ومن ثم أعيد في عام 1936 إلى دمشق للقيام بالمهمة ذاتها. وكانت في تلك الفترة قد انفجرت الإضرابات والمظاهرات ضد الانتداب الفرنسي، ومن أبرزها الإضراب الستّيني الذي لعب فيه فرج الله الحلو ورفاقه الآخرون، باسم الشيوعيين، دوراً مهماً، مما أدى إلى اعتقاله وثلاثين من رفاقه، وجرى إبعاده إلى بيروت.

استقرّ فرج الله في بيروت، وأصبح أحد القادة الأساسيين في الحزب مع نقولا شاوي وأرتين مادويان وفؤاد قازان، قبل أن يعود خالد بكداش من موسكو عام 1937، ويمارس مهمات الأمين العام للحزب. وفي العام ذاته عُقد اجتماع للجنة المركزية تقرّر فيه إنشاء قيادة مركزية من خالد بكداش وفرج الله الحلو ونقولا شاوي ورشاد عيسى. كما تقرّر فيه انتقال الحزب من العمل السري إلى العمل العلني، وجرى إثر ذلك إصدار صحيفة الحزب العلنية (صوت الشعب). وبدأت مرحلة جديدة في مسيرة فرج الله الحلو.

(بدأت من ذلك التاريخ، الملامح الخاصة لشخصية فرج الله الحلو، الإنسان والقائد الحزبي والزعيم الوطني، وصاحب المواقف التاريخية التي ارتبطت باسمه، وجعلت من شخصيته، على امتداد الأعوام العشرين التي تلت تلك المرحلة من حياته، بطلاً من الأبطال التاريخيين لذلك الزمان)2.

وفي عام 1939 وفي خضمّ الحملة التي قادها الحزب من أجل الاستقلال، جرت حملة قمع ضد الشيوعيين والوطنيين عموماً، واعتُقل فرج الله الحلو ونقولا شاوي وآرتين مادويان وآخرون وصدرت بحقهم أحكام قاسية، وقد أُفرج عنهم بعد استعادة البلاد الحياة السياسية عام 1941. وقد كان للدور الأساسي الذي قام به الحزب لتحقيق الجلاء عن لبنان وسورية أثر بالغ في توسيع قاعدة الحزب السياسية والجماهيرية.

وفي المؤتمر الوطني للحزب (المنعقد بين 31 كانون الأول 1943 و3 كانون الثاني 1944) انتُخب فرج الله الحلو رئيساً للحزب اللبناني، ونقولا شاوي سكرتيراً، وخالد بكداش رئيساً للحزب السوري ورشاد عيسى سكرتيراً.

بقيت قضية الحرية هاجساً مهماً عند فرج الله الحلو، واتخذت موقعاً خاصاً في كتاباته. ففي مقال له نشر في أواخر عام 1943 جاء: (… فاتساع الحريات الديمقراطية في لبنان، بعد تحرره من الاحتلال الأجنبي، شرط ضروري لتوطيد استقلاله وتثبيت نظامه الجمهوري كما هو شرط لتوطيد الاتحاد والإخاء بين جميع اللبنانيين وإحباط المؤامرات الأجنبية ومحاربة التدخل الأجنبي في شؤون لبنان …).

واعتبر فرج الله أن الدفاع عن الحرية مهمة عامة وشاملة لكل قوى المجتمع وفي المقدمة من هذه القوى المثقفون، وأن من أقدس مهمات الثقافة هي النضال من أجل الحرية، حرية الأفراد وحرية الشعوب.

وكان لفرج الله الحلو موقف خاص حول حياة الحزب الداخلية والتنظيم فيها، ففي عام 1937 قدّم تقريراً إلى اجتماع اللجنة المركزية للحزب عقد في دمشق بعنوان (قوة الحزب في تنظيمه الديمقراطي وفي قيادته الديمقراطية) (عبّر فيه عن طموحه لجعل الديمقراطية القاعدة الأساسية في العلاقات داخل الحزب وفي علاقات الحزب بالقوى الأخرى وبالجماهير، وكان سلوكه، وكانت ممارساته شاهداً على ذلك الطموح)3.

وفي المؤتمر الوطني للحزب المشار إليه أعلاه، ورد في التقرير الذي قدمه فرج الله الحلو إلى المؤتمر: (وأشكال التنظيم في الحزب تخضع لظروف الحياة. ولا يمكن إخضاع ظروف الحياة لأشكال التنظيم.. وكل محاولة من هذا النوع تعطي تنظيم الحزب طابعاً انعزالياً وتقوده حتماً إلى الفشل والإفلاس). كما أكد على (أن يقوم التنظيم بصورة تعطي الحزب الحد الأعلى من الإمكان لتنفيذ خطه السياسية وأهدافه الوطنية).

وفي التقرير ذاته نوه فرج الله الحلو بأهمية تسلح الرفاق بالمعرفة والثقافة، وأن يفهموا ويهضموا نظريتهم العلمية، ويرفعوا مستواهم السياسي، ويدرسوا أحوال وطنهم وتاريخ شعبهم. وقد بقي طوال حياته مهتما بالجانب الثقافي في سياسة الحزب، وكان راعياً دائماً لمجلة (الثقافة الوطنية) التي كانت تصدر في ذلك الحين.

عانى الرفيق فرج الحلو أكثر من مرة في حياته الحزبية من الظلم والاضطهاد، ففي أواخر عام 1946 تقرّر إبعاده عن قيادة الحزب وإرساله إلى فرنسا دون أي تبرير. والأهم أنه عندما اتخذ قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة بموافقة الاتحاد السوفييتي، صدر بيان من الأحزاب الشيوعية المشرقية بالموافقة على قرار التقسيم، وكان للرفيق فرج الله تحفُّظ حول موافقة الحزب الشيوعي اللبناني السوري على ذلك القرار، لكونه ينال من حقوق الشعب الفلسطيني، وطالب بأن يبقى الحزب على موقفه السابق برفض التقسيم وإقامة دولة ديمقراطية في فلسطين ، معتبراً أن للاتحاد السوفييتي في موقفه ظروفه واعتباراته التي يقدّرها، وقد أرغم فرج الله إثر ذلك على كتابة (نقد ذاتي) يدين فيه موقفه، وذلك فيما أصبح معروفاً بـ(رسالة سالم). و(لم تكن هذه الرسالة في حقيقتها انتقاداً ذاتياً، وإنما هي نصوص فُرضت فرضاً عليه ووافق فرج الله على صدورها انطلاقاً من مبدئيته وإخلاصه للحزب)4. (إن الأسلوب الذي صيغت به هذه الرسالة، فيه مساس بالكرامة الإنسانية، وليس مقبولاً أبداً معالجة الأخطاء إذا وقعت بمثل هذا الأسلوب ففيه مجافاة للحقيقة والواقع)5.

 واستناداً إلى هذه الرسالة فقد جُرِّد فرج الله الحلو من كل مسؤولياته. أما رشاد عيسى (سكرتير الحزب آنذاك) الذي رفض أيضاً الموافقة على قرار التقسيم، فقد أصرّ على موقفه معتبراً أن الموافقة عليه خطأ سياسي، مما أدى إلى خروجه من الحزب.

في المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوري (المنعقد في كانون الثاني 1987)، تقرّر إعادة كلّ من الرفاق القادة: فرج الله الحلو، ونجاة قصاب حسن، ورشاد عيسى، إلى الحزب. كما أنه سبق للحزب الشيوعي اللبناني أن قرّر حذف (رسالة سالم) من وثائق الحزب.

إن موقف فرج الله الحلو من قضية التقسيم كان منسجماً مع موقفه المبدئي أصلاً من الحركة الصهيونية، التي كان يعدّها (حركة استعمارية تناقض أهداف العرب التحررية الاستقلالية، وهدفها السياسي هو خلق نقطة ارتكاز متينة للنفوذ الاستعماري الأجنبي … يستخدمها ضدّ الحركة العربية الوطنية…)، كما سبق أن ورد في مقال له نشر في عام 1941. وأكد في مقال آخر نشر في عام 1946 أن مشروع إنشاء دولة صهيونية أو وطن قومي لليهود في فلسطين يشكل اعتداءً صارخاً على حقوق فلسطين.

  مع التوضيح هنا أن كل سياسة الحزب وكل مواقفه كانت، على امتداد أعوام طويلة، لاسيما في الفترة التي سبقت قرار التقسيم، تندّد بالتقسيم وتعتبره مشروعاً استعمارياً. وكان من نتيجة موقف الحزب الأخير أن السلطات في سورية ولبنان حلّت الحزبين وأقفلت جريدة (صوت الشعب) وشنّت حملة اعتقالات واسعة لقادة الحزب وكوادره.

لاحقاً، ومنذ عام 1954، عاد فرج الله الحلو إلى الصعود مجدداً في مراتب الحزب العليا، وكانت المنطقة تشهد خلال الخمسينيات من القرن الماضي تطورات عاصفة (ثورة يوليو الناصرية، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، وإنذار بولغانين، وفاة ستالين وصعود خروتشوف، انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي …).

وكان من جملة ما جرى، على ضوء نتائج ذلك، على صعيد الحزب أن عُقد اجتماع موسّع للجنة المركزية في عام 1956 أصدر العديد من القرارات الهامة على مختلف الصعد الفكرية والسياسية والتنظيمية وفي المجالات الداخلية والعربية والدولية، وكان من بينها قرار يدين ظاهرة عبادة الفرد التي كانت سائدة في الأحزاب الشيوعية.

وقد عاد فرج الله في هذه المرحلة إلى دمشق للعمل فيها كأحد القادة الأساسيين للحزب. كما برز خلالها الكثير من سماته ومواقفه المميزة في العديد من القضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية، وخاصة لجهة التأكيد على هوية لبنان العربية، وقضية الديمقراطية، واهتمامه بالقضية الفلسطينية، والوضع التنظيمي في الحزب، وصحافة الحزب… وغير ذلك.

كان فرج الله يرى أن (الفهم الصحيح للانتماء إلى الشيوعية وإلى مرجعيتها الماركسية هو الذي تراعى فيه ظروف البلاد، ليس في مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي وحسب، بل كذلك في كل ما يتصل بالثقافة وخصوصيتها القديمة والحديثة)5. وعليه فإن على الأحزاب الشيوعية أن تتخذ مواقفها انطلاقاً من بيئتها، وليس من نقل الشعارات العالمية ونقل النماذج الأخرى، دون إهمال الاستفادة من تجارب الحركات الوطنية التحررية الأخرى في العالم.

 كما غدا فرج الله المشرف على صحيفة الحزب (النور)، فقد كان يكتب افتتاحياتها ويتابع صدورها وطباعتها بشكل يومي. ونذكر هنا فهمه المميز للكتابة الصحفية، ويذكر رفيق دربه كريم مروّة، الذي عمل معه في الجريدة في تلك الفترة: كان يعلّمني (الكتابة الصحفية المكثفة الواضحة، التي تختلف عن الكتابة الأخرى، بسبب خصوصيتها، من حيث تتطلب إيصال الموقف ببساطة، ومن دون تعقيد، وبأكثر ما يمكن من الوضوح، وبأقل ما يمكن من الكلمات…)6.

وبعد أن دخلت سورية في الوحدة مع مصر عام 1958، اتخذ الحزب الشيوعي السوري موقفه الذي عبر عنه في البنود الـ 13 التي كان يستهدف منه جعل هذه الوحدة أكثر ديمقراطية وأكثر احتراماً لخصوصية كل من البلدين كي تكون قادرة على الحياة. وقد جرت بعد ذلك اتصالات مع بعض القياديين في الحزب لإقناعهم بحل الحزب بناء على قرار حل الأحزاب الذي اتخذ آنذاك، إلا أن الحزب رفض الانصياع لهذه المحاولات، في الوقت الذي وافقت فيه جميع الأحزاب السورية في حينه على حل نفسها، وبضمنها حزب البعث العربي الاشتراكي.

 اعتبر النظام في موقف الحزب معاداة للوحدة، وشنّت الأجهزة الأمنية حملة شعواء ضد الشيوعيين في سورية ومصر شملت عشرات الألوف منهم، مورست ضدهم شتى أنواع التعذيب الوحشي الذي ذهب ضحيته عدد من الرفاق، منهم كبير شهداء الحزب فرج الله الحلو، وسعيد الدروبي، وبيير شدروفيان، وجورج عدس، وعبد القادر إخوان، وآخرون. 

في عام 1954 وحين بدأت حملة الانتخابات النيابية وترشّح الرفيق خالد بكداش عن دمشق، انتقلت قيادة الحزب الشيوعي السوري اللبناني إلى دمشق، وكانت تضم الرفاق خالد بكداش وفرج الله الحلو ونقولا شاوي وحسن قريطم ويوسف الفيصل. وكان نقولا شاوي يتابع قضايا التنظيم، بينما كُلف فرج الله الحلو بالإشراف على صحيفة الحزب (النور). وعندما ساءت الأحول في دمشق عام 1958 غادر الجميع دمشق وبقي فرج الله الحلو فيها مشرفاً على العمل الحزبي بمجموعه.

ومن أجل القيام بمهمته كان يتنقل بين بيروت ودمشق. وفي حزيران 1959 جرى اعتقال فرج الله فور وصوله إلى أحد البيوت السرية التي كان يتردد عليها، وأُخضع من قبل زبانية النظام وجلاديه (ومن أبرزهم عبد الوهاب الخطيب وسامي جمعة ووجيه أنطاكي ..) لأبشع أنواع التعذيب الوحشي الذي تنوعت أساليبه وأدواته بغية إخضاعه والحصول منه على معلومات تنظيمية، إلا أنه وقف صامداً منتصب القامة شامخ الرأس، واثقاً بالقضية التي قضى كل عمره من أجلها، وبصق في وجه خائن الحزب رفيق رضا. وتحت وطأة التعذيب فارق فرج الله الحلو الحياة في الخامس والعشرين من حزيران من عام 1969.

بعد أن شاع نبأ اعتقال فرج الله، بدأت حملة عربية ودولية من أجل إنقاذه، إلا أن السلطات أنكرت وجوده لديها، وقام الزبانية بغية إخفاء الجريمة بإخراج جسده من حيث كان قد سبق دفنه في إحدى المزارع ، ومن ثم تذويبه بالأسيد.

لقد تم لاحقاً الاعتراف أمام القضاء من قبل بعض مرتكبي الجريمة بجريمتهم الوحشية البشعة، وذلك خلال المحاكمة التي جرت لهم أثناء مرحلة الانفصال بعد انهيار الوحدة.

(كان فرج الله الحلو يتميز بأخلاقه وهدوئه وحسن استماعه للناس، وصبره وجلده على العمل.كان قائداً متفانياً لا يهمّه الشهرة ولا التطبيل… كما تميز بالاستقامة والنبل والكفاحية والود).

إن الدروس والعبر التي يمكن أن تؤخذ من ملحمة حياة ونضال واستشهاد هذا القائد الكبير فرج الله الحلو هامة وكبيرة جداً، وتتعدد مجالاتها الفكرية والسياسية والتنظيمية بحيث لا يمكن اختزالها بمقال أو بحث واحد. إلا أنه لا بد لنا من أن نستنتج:

• إن تجارب جميع شعوب العالم تظهر وتؤكد أن الحفاظ على حرية الإنسان وكرامته، التي تعد قضية المواطنة والحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان هي  من أهم مستلزمات الدفاع عن الوطن ضد أعدائه الداخليين والخارجيين.

• إن تطبيق المنهج المادي الديالكتيكي في سياسة الحزب يفترض بالدرجة الأولى فهم الواقع الخاص للبلاد وإدراك الحلقة الرئيسية والتناقض الأساسي في كل مرحلة من مراحل تطورها، وذلك تحت طائلة الوقوع في أخطاء تاريخية يدفع الحزب لاحقاً ثمنها فترة طويلة من الزمن. 

• إن الربط الوثيق بين النضال على جميع الصعد الوطنية والطبقية (الاجتماعية) والديمقراطية هو في أساس نجاح سياسة الحزب وعلاقته بالجماهير، وكل إهمال أو إضعاف لأحد هذه الجوانب يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الحزب وابتعاده عن هذه الجماهير.

• إن الحياة الداخلية السليمة في حياة الحزب الداخلية التي تقوم على مبدأ الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر، هي الضمانة الأساسية لوحدة الحزب وتطوره وتقدمه وتوسيع علاقاته مع الجماهير.

• إن الإيمان والثقة بقضية الوطن والشعب من أهم مقومات الصمود في مواجهة الظلم والاضطهاد.

وتبقى ملحمة فرج الله الحلو أبد الدهر منارة شامخة تنير درب المناضلين من أجل التحرر والديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

ــــــــــــــــــــــــ

1 ـ كريم مروة، (ص 50. 

2 ـ المرجع السابق، ص 53.

3ـ المرجع السابق، ص 58.

4 ـ يوسف الفيصل، (ذكريات ومواقف)، ص 157.

5 ـ المرجع السابق، ص 159.

5 ـ كريم مروة، (الشيوعيون الأربعة الكبار)، ص 87.

6 ـ المرجع ذاته، ص 85.

إشارة: إن كل ما ورد في هذا المقال من حيث الوقائع استند إلى كتابات وشهادات موثقة للرفاق القياديين الذي عايشوا ورافقوا فرج الله في حياته، وأخص بالذكر الرفاق: يوسف الفيصل ـ كريم مروة ـ نقولا شاوي ـ محمد دكروب  ـ سعد الله مزرعاني… وآخرين.

العدد 917 - 1/07/2020