إلغاء للإبداع وطمس للإنسانية

إيناس ونوس: 

يُعاني جيل الشَّباب منذ فترة طويلة من البطالة وعدم إمكانية الحصول على فرص العمل التي لطالما حلموا بها وعملوا جاهدين للوصول إليها، وفي محاولات مقاومة اليأس نجدهم يبحثون بشتى السُّبل لنيل ولو فرصة واحدة تُعيلهم وتساعدهم على تحمّل مسؤولياتهم والاعتماد على أنفسهم، فيبدأ مسلسل البحث عن عمل، كلٌّ منهم حسب ما يتوفَّر لديه من فرص أو مجالات ربما تكون متعدِّدة إنما غير متوافقة مع التحصيل العلمي الحاصلين عليه أو الذي ما زالوا يدرسونه، لكنها تلبِّي حاجةً أو تغني عن السُّؤال، وأحد هذه المجالات عمل مندوب/ة مبيعات، شبَّانٌ وشابَّات في مقتبل العمر يجوبون الشَّوارع ويطرقون الأبواب في أي وقتٍ من النَّهار متحمِّلين الظُّروف المناخية صيفاً أو شتاءً سعياً لتصريف ما بحوزتهم من منتجات.

ينطوي هذا النَّوع من العمل على جوانب عدَّة، منها ما يتعلق بطبيعة المنتجات وآلية تسويقها وهي في غالب الأحيان تكون منتجاتٍ من الدَّرجة المتدنية لم يجد منتجوها تصريفاً لها بغير هذه الطَّريقة، فهم يحفِّزون المندوبين/ات على بذل المزيد من محاولات إقناع الزَّبون ليتمكنوا من الحصول على النِّسبة المتَّفق عليها، ما يدفع العاملين لاعتماد واستنباط أساليب متنوعة تعتمد على المنطق والحجة لإقناع الزَّبون، وحين تفشل كل أدواتهم يعمدون إلى الكذب والاحتيال للمزيد من التَّرغيب، ثم الوصول بالشَّاري إلى شراء تلك البضاعة المغشوشة أصلاً، وكم من النَّاس كانوا صيداً سهلاً.

من جانبٍ آخر يعاني المندوب/ة أثناء عملية التَّواصل مع النَّاس، فبحكم ما سبق ذكره من كذبٍ واحتيال باتت الكثير من الأبواب موصدةً في أوجههم، في حين أن بعض المستقبلين يتعاملون بطريقةٍ فظَّة معهم/ن سواء بأسلوب الرَّد أو بطريقة الرَّفض، وكذلك الشباب الذين يسوّقون في الشوارع لمنتجات يرتدون شكلها من أجل لفت أنظار الناس ليغدوا فرجة اندهاش أو استهزاء. لحظاتٍ أو دقائق تحمل الكثير من الألم والاحتقار والتجبُّر، يغفل فيها المستَقْبِلْ أن السَّائل ما هو إلاّ إنسانٌ يشبهه تماماً، وربما كان من حملة الشَّهادات الجامعية التي لم يحظَ بها هو نفسه، إنما الظُّروف هي من وضعته في ذاك المكان. حدَّثتني إحدى المندوبات اللواتي كنتُ صيداً مُحققاً لها ذات يومٍ في محاولةٍ لإقناعي بما تحمله من منتجاتٍ عمّا تتعرّض له ورفاقها من سخريةٍ واستهزاء من قبل الناس، وهذا أقلّ الأمور التي لا تنتهي بمحاولات التَّحرّش، يُضاف إليها الكم الهائل من الألفاظ القاسية والمعاملة السَّيئة من قبل رب العمل حين يعودون أدراجهم خاوي الوفاض وكأنهم مجرد آلات لا تملك مشاعر ولا أحاسيس!! وحين سألتها عن السَّبب الذي يدفعها للبقاء تحت هذا الكم الهائل من الضَّغط والقسوة، جاء صوتها مليئاً بالحسرة: (لو حصلت على عملٍ آخر لما وجدتني هنا، ولا بدّ من العمل تحت وطأة الظُّروف الاقتصادية التي نحياها جميعاً).

غالبية الشُّبان والشَّابات العاملين في هذا المجال يتعاملون مع هذه التَّجربة على أنها وقتٌ مستقطعٌ ريثما يجدون العمل المناسب لهم، فهذا النَّوع من العمل يفي بالغرض فترةً من الزَّمن ليس غير، غير أنه لم يكن يوماً مُعالجاً لقضية البطالة التي يحياها أغلب شبابنا إن لم نقل جميعهم ولم يحدّ منها، فالعمل الآني والمرتبط بعقدٍ يمضي فيه الطَّرف الثاني إلى لحظة النِّهاية قبل البداية ليس بالعمل الذي يحدُّ من البطالة أو يعالجها، بل إنه من الأمور التي تعمِّقها وتزيد من آثارها النَّفسية على العامل.

فهلا رأفت حكوماتنا الموقرة بالأعداد الضَّخمة من هؤلاء الشَّبان والشَّابات الذين لهم كل الحق في عملٍ يحمي كرامتهم وينمي قدراتهم وطاقاتهم فيقدمونها لصالح المجتمع ككل؟!

العدد 898 - 12/2/2020