الاتفـاق المشبوه والغامض

د. صياح عزام:

بداية، لابد من التأكيد أن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا تتقاطع في احتلال منطقة شمالي وشرقي سورية، الغنية بالنفط والمياه والمحاصيل الزراعية، وفي إضعاف الدولة السورية، ضماناً للمصالح الإسرائيلية، ضمن هذا السياق جاء الاتفاق الأمريكي- التركي على ما يسمى (المنطقة الآمنة) التي عمل أردوغان على إقامتها منذ بدء الحرب الإرهابية على سورية، لتحقيق أحلامه العثمانية وأطماعه في سورية، إلا أن اللافت للنظر، أن تفاصيل الاتفاق المذكور مازالت غامضة، ثم إن الاحتفالية التركية بالاتفاق جاءت مبكرة وسابقة لأوانها، لماذا؟ لأن نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين الأمريكي والتركي لم تحسم بعد (العمق، الطول والعرض، هوية القوى التي ستتولى أمن المنطقة، مصير السلاح والمسلحين خاصة منهم ما تسمى وحدات الحماية الكردية وقوات سورية الديمقراطية).

يظهر حتى الآن أن كل ما اتفق عليه هو إيجاد آلية للتفاوض ونقل المسائل الخلافية إلى مركز عمليات أمني سيتخذ من أنقرة مقراً له. إضافة إلى ذلك الاتفاق مجزوء وإجرائي كما وصفه العديد من الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين، كان مهماً بالنسبة للطرفين بعد تعقد المفاوضات بينهما، ذلك أن أردوغان كان يتوعد باجتياح الحدود السورية، ووزير دفاعه كان يهدد أيضاً بأن صبر بلاده نفد، بينما يرد وزير الدفاع الأمريكي إسبر عليه بتهديد غير مسبوق قائلاً: سنمنع تنفيذ عملية أحادية الجانب في الشمال الشرقي السوري.

وبالتالي يمكن القول إن الاتفاق كان وسيلة للطرفين للهبوط عن قمة الشجرة التي صعدا إليها والابتعاد عن حافة الهاوية، مع العلم بأنه دون تقديم تنازلات كبيرة، كأن تتخلى أنقرة عن مطلب تفكيك وحدات الحماية الكردية والقضاء على الكيانية الكردية الناشئة، أو أن تتخلى واشنطن عن حليفها الكردي ورأس حربتها في ابتزاز سورية وإيران وصولاً إلى تقسيم سورية، لا يمكن دون هذه التنازلات أن يتم التوصل إلى اتفاق كامل ودائم، ولهذا ستبقى الأوضاع في شرق الفرات يلفها الغموض، وستواصل تركيا لعبتها المفضلة منذ أيلول عام 2015 في الرقص على حبل التوتر المشدود بين موسكو وواشنطن، تحاور وتناور، منطلقة من إدراك عميق لحاجة كل من واشنطن وموسكو لها (واشننطن لإعادتها إلى الالتزام ببنود الناتو والابتعاد عن روسيا، وروسيا بسبب اتفاقات أنابيب غاز ومصالح أخرى تجارية وسياحية) هذا هو تصور أردوغان.

الاتفاق إذاً كان وسيلة لخروج كل من ترامب وأردوغان من مأزقهما أولاً، وفي الوقت ذاته إشباع نزواتهما وسياستهما في التجاوز على سيادة الدول وخرق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ثم إن كلاً منهما سيسوّق الاتفاق في بلاده. أردوغان لإظهار قوته داخلياً والرد على خصومه الذين عابوا عليه فشله في سورية وتخبطه في سياسته الخارجية، وترامب لتغطية فشله أمام إيران وفقدانه لمصداقية سياسته ولثقة الحلفاء والأصدقاء، بما معناه أن الاتفاق هو (اتفاق بلطجة) كما وصفه البعض ولن يُكتب له النجاح.

على أي حال، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات والاستنتاجات حول الاتفاق منها:

– إن الخلافات بين الطرفين الأمريكي والتركي عبارة عن مسرحيات هزلية، فبالأساس الطرفان يدعمان الإرهاب.

– إن مرتزقة (قسد) هم الخاسر الأكبر، كما أن وحدات حماية الشعب الكردية لن تنفعها مزايدتها بالتبعية لأمريكا، برسائل التطمين التي أرسلتها لتركيا عبر إزالة أعلامها من المدن والبلدات عند الحدود السورية وتأكيدها بالانسحاب من المنطقة.

– إن إقامة ما تسمى المنطقة الآمنة تصب في صميم الدعم لداعش والنصرة وأتباعهما.

– الولايات المتحدة تمسك برأس أردوغان الاقتصادي والسياسي والعسكري، وهي تحركه باستمرار، خاصة الآن، لتضمن وجودها في سورية وإطالة الحرب الإرهابية عليها، وتعطيل كل الحلول التي لا تروق لواشنطن، وبالتالي فالمنطقة الآمنة إن استمرت لا تزعج الإدارة الأمريكية، بل تخدم مصالحها الآنية والبعيدة المدى.

– إن الاتفاق يشكل ضربة قاصمة للأكراد في سورية، خاصة الذين راهنوا على واشنطن، وقطعوا اتصالاتهم مع الدولة السورية، فقد استفاقوا على تخلي واشنطن عنهم، فالوجود التركي سيمتد من إدلب إلى جرابلس وعفرين وعين العرب وإلى شرق الفرات، وهذه المناطق هي جزء مهم من مشروع ما تسمى (الإدارة الذاتية)، بمعنى أن الوحش التركي الأردوغاني دخل إلى قلب مناطقهم التي كانوا يحلمون بتحويلها إلى دولة أو إقليم منفصل عن الوطن الأم.

– إن الشيء المستغرب تجاه الاتفاق المذكور هو الصمت العربي والدولي والأممي عن اتفاق كهذا ينتهك أرض دولة وسيادتها، وينتهك ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

أخيراً نقول إن سورية قالت كلمتها الفصل بشأن هذا الاتفاق العدواني الجائر، وهي عازمة على الدفاع عن أرضها وسيادتها، ومواصلة محاربة الإرهاب ورعاته، معتمدة على قدرات جيشها الباسل ودعم الأصدقاء والأشقاء.

العدد 887 - 20/11/2019