دمشق العصيّة… يسقطون وتبقين المجد والعُلا

حـروب الجيـل الرابع مـرّت من هنا

ريم الحسين:

أصبح من المعروف أن أمريكا وحلفاءها يقودون عملية تغيير شاملة للنظام العالمي، ومحاولات لاحتلال الدول بشكل مباشر وغير مباشر، والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها وقرارها السيادي ولم تترك على مرّ التاريخ أي وسيلة إلا واستخدمتها حتى القنبلة النووية، ومازالت تقوم بأي خطوة من شأنها تحقيق أهدافها الاستعمارية باستخدام الوسائل والأساليب المتاحة من خلال التطور الذي يحصل لهذه الأساليب يوماً بعد يوم، حتى وصلت إلى فكر شامل عن الحروب الجديدة مستخدمة كل التقنيات الممكنة في كل المجالات لإخضاع الرأي العالمي واحتلال الدول، وصارت تتبع حالياً حروب الجيل الرابع للوصول إلى نظامها العالمي الجديد.

يعود تاريخ هذا المصطلح إلى عام 1989 حين قام مفكر استراتيجي أمريكي يدعى وليم ليند ومجموعة من زملائه بوضع تصنيف للحروب، فصُنّفت إلى أربعة أجيال: الأول، والثاني، والثالث ثم صك كلمة جديدة على العلوم العسكرية وقتذاك، وهي حروب الجيل الرابع.

ولفهم التدرج في هذه الأجيال وصولاً إلى مفهوم حروب الجيل الرابع يجب أن يكون هناك معرفة ولو سطحية دون تعمق بأنواع الحروب الأخرى.

حروب الجيل الأول وُضع عام البداية لها سنة 1648 في الحروب الحديثة طبعاً وليس من فجر التاريخ، فهذه السنة شهدت توقيع معاهدة (وستفاليا) وهذه المعاهدة مهمة جداً لكل المهتمين بدراسة النظم السياسية، لأنه بعد هذا التاريخ نشأت فكرة الدولة القومية الحديثة كما في عصرنا الحالي.

فقبل هذا التاريخ كانت الدول إما إمبراطوريات أو إمارات اقطاعية أو أنظمة ملكية، وليست كما في عهدنا الحالي أنظمة شكلية وإنما كانت فعالة وصاحبة قرار، وابتداء من هذا التاريخ كانت الحروب تدور بين جيوش واضحة المعالم تملكها دول كاملة السيادة.

الجيل الثاني من الحروب بدأ مع الحرب العالمية الأولى عام ،1914 والفرق الوحيد بينها وبين حروب الجيل الأول هو تطور القدرة على إنتاج النيران، ففي حروب الجيل الأول (1648- 1914) كانت أدوات الحرب بعد العنصر البشري مرتبطة بالبندقية اليدوية إلى حد كبير، في الجيل الثاني من الحروب أصبحت كمية النيران أكبر، فتطوُّر السلاح ساعد المحاربين على إنتاج قوة أكبر من النيران.

الجيل الثالث تطور أثناء الحرب العالمية الثانية أي عام 1939 مع تكتيكات الجيش الألماني، بعد أن تطورت الأسلحة المستخدمة إلى طيران عسكري ودبابات أسرع وغواصات، فرأى أنه ما دام يملك الوسائل والقدرة على إنتاج النيران والتحرك بهذه الأدوات الحديثة في ذلك الوقت، فليس هناك من داع إلى اقتصار الحرب على خط الجبهة كما في حروب الجيلين الأول والثاني، إذ كانت الحرب عبارة عن جيوش متقابلة على خط الجبهة أو التماس ويحدث الالتحام بين الجيشين لأن مدى النيران قصير، فكانت المواجهة مباشرة بين الطرفين المتحاربين عن طريق حفر الخنادق للحماية واستخدام الأسلحة المتاحة في ذلك الوقت، في حين أن في حروب الجيل الثالث، بعد امتلاك المدرعات الحديثة والطيران الحربي، أصبح بالإمكان الالتفاف حول خطوط العدو وضرب خطوط إمداده ومواصلاته وعزل الجبهة، مما سيؤدي حتماً إلى سقوطها ويتحقق النصر.

في حروب الأجيال الثلاثة، كان الفرق الوحيد هو التطور التكنولوجي والنوعي للسلاح، وجرى الانتقال من القوة البشرية في الجيل الأول ومعدّات حربية بسيطة، إلى قدرة أكبر على إطلاق النيران من معدات حربية أحدث كالدبابة مثلاً في الجيل الثاني، إلى القدرة على المناورة في النيران ضمن مسرح العمليات أو خلف خطوط العدو في الجيل الثالث. أما المشترك في حروب الأجيال الثلاثة فإنها كانت تحدث بين جيوش واضحة المعالم تملكها دول كاملة السيادة.

والآن نحن نشهد تطور الحروب إلى الجيل الرابع، المختلف عن الأجيال السابقة نتيجة التطور التكنولوجي والفكري وآليات البحث والمختبرات، والتركيز على الحروب النفسية ودراسة مكان الحرب المستهدف من العنصر البشري حتى البنية التحتية إلى كل تفصيل مهما كان صغيراً أو كبيراً. هذه الحروب تستهدف المدنيين قبل القوات المسلحة ذلك أن تقسيم المجتمع أو الدولة بالنسبة للعسكريين يرتبط بمفهومها للعلوم السياسية. ففي العلوم السياسية مفهوم الدولة هي إقليم يسكنه شعب ويحكمه نظام سياسي يحظى باعتراف دولي. أما بالنسبة للعسكريين أو القادة الجنرالات فتُقسم الدولة المستهدفة أثناء الحرب إلى قسمين: قوات مسلحة، وقطاع مدني، فإذا ضُربت القوات المسلحة يسقط القطاع المدني أي يضطر للاستسلام، وإذا سقط المجتمع المدني فالقوات المسلحة أيضاً تميل للانهيار تباعاً.

في الأجيال الثلاثة كان الاستهداف يتمحور حول ضرب القوات المسلحة للدولة المستهدفة، أما في حروب الجيل الرابع فهي لا تستهدف القوات المسلحة بشكل فوري، وإنما يجري استهداف القطاع المدني ليصل إلى النتيجة نفسها وهي سقوط القوات المسلحة بتكاليف أقل، ذلك أن تكلفة الحروب العسكرية أصبحت كبيرة جداً في العتاد والسلاح والعنصر البشري، فالدول العظمى لم يعد بمقدورها أمام الرأي العام في بلدانها شن حروب وتحمُّل خسارات كبيرة قد تضرب اقتصادها، وخسارات في الأرواح، ولذلك أغلب الحروب العسكرية في الوقت الحالي لهذه الدول تستخدم فيها المرتزقة للاشتباك المباشر، بينما جنودها في الأماكن الأكثر حماية في مواقع الإشراف والتدريب والمراقبة.

ولذلك لتقليل الخسائر يُضرب القطاع المدني أولاً، كما حدث عند انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد اعتمد الغرب إلى حد كبير على تكتيكات الجيل الرابع رغم كتلة قواته المسلحة الضخمة عدداً وعتاداً وامتلاكه لسلاح نووي، وقد انهار الاتحاد السوفييتي دون أن تطلق أمريكا عليه رصاصة واحدة.

السؤال الآن كيف يُستهدَف القطاع المدني؟

بحسب الباحثين العسكريين والاستراتيجيين هناك خمس آليات يُستهدف من خلالها القطاع المدني، وهذه الوسائل أو العناصر الخمسة هي (الإرهاب، العمليات النفسية، والحشد في الشارع، منظمات المجتمع المدني، وضع الدولة المستهدفة تحت ضغط مستمر).

الإرهاب في الجيل الرابع يختلف عن الإرهاب التقليدي في عدة أمور، منها أنه يحصل على دعم من أجهزة مخابرات عالمية، ونلمس ذلك من قدرته على التحرك بسهولة بأعداد كبيرة ليس فقط داخل إقليم دولة إنما عبر حدود الدول وحصوله على تسليح لا يتوفر إلا لجيوش كبيرة، كالأسلحة المضادة للدروع والألغام البحرية والدبابات وإسقاط الطائرات و(الدرون) أي الطائرات المسيّرة، ولديه قدرة على الحصول على المعلومات بشكل هائل عن تحرك الأجهزة الأمنية والجيوش للدول المستهدفة، ويختلف أيضاً عن الإرهاب القديم بأنه يسعى لاحتلال أرض، فقد كانت الجماعات الإرهابية في السابق تسعى لإرهاب المجتمع واغتيال شخصيات يعارضها أو لفرض قيود وأفكار، فقد كانت أجندته على الغالب دينية متشددة. أما في الإرهاب الحديث فمعظم هذه الجماعات هدفها الأساسي أن تخلي سكان منطقة معينة ويقيم عليها دولته ويرفع عليها علمه، ويكون مقدمة لتفتيت دولة وتقسيمها كما فعلت داعش في العراق وسورية. عندما يستهدف الإرهاب القطاع المدني فالهدف أن يشلّ حركة هذا القطاع، فلا عمل ولا مدارس ولا استثمار ولا سياحة ولا أي مظهر من مظاهر الحياة الاعتيادية، ما يفرض ضرورة لتدخل القوات العسكرية للدولة المستهدفة واستنزافها في حرب ضد الإرهاب، وبذلك يحقق العدو مكاسب بضرب القطاعين المدني والعسكري في آن واحد.

أما العنصر الثاني لاستهداف المجتمع المدني فهو العمليات النفسية، التي تشبه المنشورات في الحروب التقليدية القديمة، إذ كانت طائرات الدولة المحتلة ترمي منشورات على العسكريين تدعوهم إلى الاستسلام واليأس، في الحروب الحديثة لا يستخدم الطريقة نفسها وإنما يستهدف المدنيين والعسكريين بدعايات سلبية جداً عن طريق ثلاث خطوات إقناع وتغيير وتأثير، عبر عدة وسائل مثل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وأي طريقة متاحة للتواصل، أي بدل المنشور الورقي يتحول إلى رسالة مقروءة ومسموعة ومنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك غرف مختصة للحرب النفسية وكيفية إدارتها.

الإقناع يتحقق عن طريق استغلال مطالب مشروعة ومحقة، ويستغل الفساد الكبير الحاصل في الدولة المستهدفة، فيقوم ببث السموم وأن غداً أسوأ وأن دولتك مقصرة ولن توفر لك أي حياة وما إلى ذلك من عبارات الإقناع، وبالتالي يجب التغيير. وكي يتم هذا التغيير يجب التعبير عن الاستياء أيضاً بعدة طرق أفضلها النزول إلى الشارع والتظاهر، وبعد النزول إلى الشارع كخيار مثالي لوضع حد للمعاناة، يقوم العدو بخطف هذا الحشد والناس المطالبين بالتغيير إلى أجندته الخاصة. والأمثلة كثيرة إذ يحتشد الناس لمطالب محقة، إما بتحريض من عملاء الحرب النفسية أو بشكل طبيعي نتيجة وضع سيئ، فيطالبون بتغيير حكومة أو تحسين الوضع المعيشي أو السياسي وما إلى ذلك من المطالبات، فيقوم هؤلاء العملاء بسحب الحشد إلى التخريب والاعتداء على أملاك الدولة أو البنى التحتية أو عناصر الأمن، أو التسبب بحوادث مميتة كإطلاق النيران واتهام عناصر حفظ النظام، لأن مفعول الدم أقوى بحيث يكون الهدف الأساسي هو تخريب الدولة. وهكذا يسيطر العدو على حراك التغيير وهذا ما شهدته دول الربيع الدموي العربي ودول أخرى في إفريقيا وغيرها سابقاً.

أما العنصر الثالث والقريب من العنصر الثاني فهو الحث المستمر على الحشد في الشارع بحجة التغيير، ومن ثم اختطاف التحركات لصالحه، وكما ذكر مقتل عدد من المتظاهرين بظروف غامضة ومحاولة تكرار عمليات الحشد وانتشار مساحتها ومطالبها واستخدام العنف والعنف المضاد لتوريط الأجهزة الأمنية، سعياً إلى إيجاد شرخ كبير بين المتظاهرين وعناصر حفظ النظام وحصول فوضى عامة لشلّ حركة الحياة المدنية، ومن ثم بعد توليد العنف المطالبة بتدخل دولي، كما حدث مؤخراً في عدة دول.

أما العنصر الرابع فهو استغلال بعض منظمات المجتمع المدني لصالح العدو، والهدف مساعدته على قراءة المجتمع من الداخل واستخدام المعلومات من أجل فهم المجتمع للتأثير فيه وتوقع سلوكه ومن ثم اقتياده إلى تخريب وطنه بيديه.

العنصر الخامس والأخير من حروب الجيل الرابع هو وضع الدولة المستهدفة تحت الضغط المستمر، من خلال الشائعات والتركيز على أخطاء أجهزتها الأمنية وغير الأمنية، وخلق حوادث مفتعلة غير حقيقة للضغط ووضعها تحت الحصار والعقوبات الدولية، وبالتالي خنق الشعب أكثر فأكثر حتى تتم السيطرة من الداخل بشكل أكبر، وحصول نفور جماعي من الوضع المعيشي السيئ، وبالتالي يتراجع شعور المواطنة والانتماء ويسهل التخلي عن الدولة، وهذا يتحقق أيضاً بمساعدة أرباب الفساد في الدولة المستهدفة.

تتصف حروب الجيل الرابع باستراتيجية القدم الخفية كما يرى الخبراء العسكريون، ذلك أن العدو معروف وواضح، ولكنك غير قادر بسهولة على إثبات من يقوم بهذه العمليات، إضافة إلى الضبابية في فهم ما يحدث في البداية وعدم وضوح الرؤية لغير المنتسبين لأحد الأطراف عن فهم حقيقة ما يجري أو من صاحب الحق في هذه الأحداث، فمن آليات الجيل الرابع أن تجعل كل طرف أيضاً متشكك في نوايا الطرف الآخر، ووجود مساحة غير واضحة لا تستطيع معها معرفة من هو الصائب ومن هو على خطأ وهذه الخطورة الأكبر التي تكتنفها هذه الحروب.

مما سبق نجد أن كل ما ذكره المحللون والخبراء ينطبق على ما يحدث في سورية وغيرها من البلدان التي تتعرض للتخريب الممنهج، لكن صمود الشعب السوري وتلاحمه مع جيشه أفشل هذه المخططات بهدفها العريض، لكننا مازلنا نعاني من التبعات سواء الإرهاب المسلح أو الواقع الاقتصادي والمعيشي المزري نتيجة هذه الأحداث، ومازال العدو يحاول إيجاد الثغرات ويطور أساليب حربه الظالمة.

فتخيلوا حجم الضغط الذي جرى ممارسته على بلادنا وحجم المقاومة، وهذه رسالة لأصحاب القرار أن لا تجعلوا العدو يحصل على نصر بعد كل هذا العناء لم يستطع أن يحصل عليه في أكثر مراحل الحرب دموية نتيجة الفساد والظلم، فدولة قاومت كل هذه الحرب من حقها أن تعود أقوى وأكثر مناعة من حقها الحياة.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

العدد 899 - 19/2/2020