الحرب والغلاء أهم أُسس الاتجار بالبشر

إيمان أحمد ونوس: 

بات الاتجار بالبشر مفهوماً وممارسة معروفاً لدى غالبية الناس، غير أنه، في عالمنا المعاصر الذي يشهد المزيد من الصراعات والحروب والكوارث على امتداد الكرة الأرضية بمختلف قاراتها وشعوبها، تنوّعت الوسائل والأساليب للاتجار بالبشر، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الحكومات.

ومعلومٌ تماماً أن هناك عصابات مُنظّمة ودولية للاتجار بالبشر، مثلما هناك عصابات ومنظمات محلية لا تقلُّ شأناً في هذا المجال من حيث اتخاذها للأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية مناخاً مناسباً لممارسة تجارتها القائمة على آلام الناس وأوجاعهم ومصائبهم، سواء خلال الحروب والكوارث الطبيعية أو خلال النزاعات والصراعات المحلية. فتلك الظروف مجتمعة لا شكّ أنها تُخلّف واقعاً معيشياً وأمنياً قاسياً بالنسبة لغالبية أفراد المجتمع، لاسيما الشرائح الدنيا التي لا تتمتّع لا بإمكانات مادية ولا معرفية تؤهلها للابتعاد قدر الإمكان عن الوقوع في أفخاخ عصابات الاتجار بالبشر، خاصة المحلية منها.

كما نجد أن تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية الناس، بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية المحلية والعالمية، إضافة إلى الحروب التي تترك ولا شكّ آثاراً اجتماعية ونفسية ومادية سيئة، يُضاف إليها بكل تأكيد السياسات الحكومية المُتّبعة، التي لا تُراعي مختلف تلك الظروف، ولا تضع خططاً وبرامج تستهدف الشرائح الدنيا وبضمنهم ذوي الدخل المحدود في المجتمع، لا بل تسعى لإرضاء كبار التُجّار والصناعيين عبر تسهيلات لا تُضاهى، وترفع الدعم عن أساسيات المعيشة مُترافقاً مع عدم مراقبة الأسواق والأسعار التي ترتفع بشكل جنوني بين الحين والآخر، سواء من قبل التُجّار أو من الحكومة نفسها وأهمها تلك الأساسيات، يُضاف إلى ذلك الرسوم والضرائب المفروضة على صغار المُكلّفين من العاملين بأجر وذوي الدخل المحدود من العاملين في الدولة أو القطاع الخاص، بدلاً من أن يكون هناك تناسبٌ ما بين الضرائب المفروضة والأرباح التي يجنيها كبار التُجّار والصناعيين وأمثالهم في قطّاعات أخرى لتُساهم في التخفيف من أعباء الفقراء، إذ نجد أن الحكومة تقلب الموازين لصالح الكبار، فلا ترى في الصغار إلاّ مصدراً أساسياً لجني الضرائب والرسوم التي ترفد خزينة الدولة عبر إجراءات مختلفة.

بالتأكيد إن هذا الواقع وتلك السياسات والإجراءات الحكومية مُجتمعة تساهم بشكل كبير وأساس في تنشيط تجارة الأعضاء البشرية أو تجارة الجنس أو زواج القاصرات، مثلما تُساهم في تسرّب الأطفال من المدارس، وتدفعهم إلى التسوّل أو الدخول إلى معترك الأعمال الشّاقة التي لا تناسب أعمارهم وبنيتهم الجسدية والنفسية، وبالتالي يُمكننا إدراج كل هذا تحت أسباب مُستترة للاتجار بالبشر. وبهذا الصدد قالت المُقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة للاتجار ماريا جيامارينارو: (هناك مصالح اقتصادية هائلة وراء الاستغلال، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من الصعب جداً الحصول على نتائج جيدة في العمل على مكافحة الاتجار بالبشر، لأن هذا الاستغلال يتمُّ التسامح به بشكل كبير).

العدد 890 - 11/12/2019