ساطع الحصري… و«نشوء الفكرة القومية»
احتوى كتاب (نشوء الفكرة القومية) للأستاذ ساطع الحصري 283 صفحة، ست محاضرات عن نشوء الفكرة القومية وتكوين الدولة القومية في أوربا، تناول فيها كلاً من ألمانيا وفرنسا وبلاد البلقان وتركيا والدول العربية.
الوحدة الألمانية
كانت ألمانيا تتألف من 360 وحدة سياسية، وفي مسار الأحداث اندمجت في دولة خلال سلسلة عمليات اتحادية. هذه الإمارات كانت بمنتهى الضعف باستثناء بروسيا التي كانت تتمتع بالعلم والثقافة، ومن أبنائها عباقرة مثل شيلر وغوته وكانت وهيغل. وفيها جامعات موحدة ثقافياً ولها طابع عالمي وإنساني. لذلك عندما قامت الثورة الفرنسية 1789 قوبلت باستحسان، ورأوها فاتحة لحرية جميع الأمم، كما أكد ذلك ثوار فرنسا، بعدم إقدامهم على حروب توسعية وضد حرية أي أمة. مما قوى النزعة العالمية عند الألمان. لكن وقائع حروب فرنسا تحولت إلى التوسع وتُوِّجَ نابليون إمبراطوراً، وأصبحت ألمانيا هدفاً لهُ خاصة الدويلات الجنوبية التي ألحقتها بفرنسا. وزحف إلى برلين وبروسيا وجعل القسم الشمالي قاعدة للهجوم على روسيا مجنداً الألمان فيها، وقد فقدت ألمانيا في تلك الحرب 150 ألف جندي. هذه الحرب نبّهت الألمان إلى حالة فقدان الوحدة القومية وضعف الروح الوطنية، مما ولَّد في نفوس الألمان الرغبة في الاتحاد وتخليص ألمانيا من الإلحاق الفرنسي. وتضافر رجال الفكر والأدب والسياسة في جميع أنحاء ألمانيا واتخذوا بروسيا مركزاً لإذكاء الروح الوطنية وحب الاستقلال والاتحاد. وكتبوا الأشعار والمقالات والخطب الحماسية وأقدموا على الإصلاحات فغيّروا القوانين التي كانت تحرّم على الفلاحين والطبقة الوسطى تملُّك الأرض وجعلتهم يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة.
كان نابليون قد فرض على بروسيا تحديد أفراد جيشها ب2500 جندي، فلجأ قادة الجيش إلى تدريب جميع المواطنين ضمن سقف العدد. وعندما تراجع نابليون من موسكو أقدمت بروسيا على التجنيد الإجباري وكونت جيشاً كبيراً وانضمت إلى جيوش الحلفاء وانتصرت في معركة لايبزغ. وتوجه فيخته إلى جميع الألمان مُركزاً على اللغة وتعميم التعليم مذكراً أن فرنسا لمْ تعد صالحة لإنهاض البشرية، وأنَ الأمة الألمانية هي التي ستلعب هذا الدور. وأصبح إنهاض ألمانيا واجباً وطنياً وإنسانياً عالمياً، وذكَّر بالألمان الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن بلادهم ضد الرومان. استمر الأدباء والمفكرون بالدعوة لتحقيق الوحدة الألمانية، وتحقق ذلك على يد الرجل القوي بسمارك الذي تولى رئاسة الحكومة البروسية، وكان قد تعرّف على أطماع فرنسا بألمانيا عندما كان سفيراً فيها، فأسسَ جيشاً وأقدم على ضم مقاطعتين تابعتين لملك الدانمارك، وانتصر بحربه مع النمسا ضمن فيها عدم تدخل النمسا في شؤون بروسيا. ولم يبق سوى فرنسا عائقاً، فأقدم على توحيد الولايات الشمالية بحرب ضد الولايات الجنوبية التي تهيمن عليها فرنسا.
ونشأ تباين بين فرنسا وألمانيا حول الفكرة القومية، فقد ركزت فرنسا على تملك المشيئة في تكوين الدولة القومية بسبب ضمها الولايات الجنوبية الألمانية، بينما ركزت ألمانيا على عامل اللغة والتاريخ لضمان توحيد الدولة القومية الألمانية والاحتفاظ بنهر الراين واسترداد الألزاس من فرنسا وذلك استرداداً للحقوق المغتصبة.
بلاد البلقان
في أوائل القرن التاسع عشر كانت البلقان خاضعة للسلطنة العثمانية، وتقطنها شعوب وقوميات متعددة، من يونان وصرب وألبان، لكل منها لغتها وتاريخها المستقل المليء بالمفاخر والأمجاد، وتدين بالمسيحية قبل الفتح الإسلامي. وبعد الفتح دخلت جماعات من الأتراك بين هذه الشعوب، وبواسطتها دخل الدين الإسلامي إلى بلاد البلقان. وعندماضعفت السلطنة العثمانية بدأ الوعي القومي ينتشر بين الشعوب البلقانية، وازدادت حركات الاستقلال بفعل اتصالهم بالدول الأوربية التي شجعتهم على الانفصال. وظهر الزعماء القوميون ولقيت الحركات نجاحاً في أطراف البلقان أولاً، وتكونت خمس دول هي رومانيا- يوغسلافيا- ألبانيا – بلغاريا- اليونان.
اليونان
حافظت الأمة اليونانية على لغتها بفضل تشكيلات الكنيسة الأرثوذكسية التي تكونت في ظل الإمبراطورية البيزنطية (روما الشرقية). وعندما قضى محمد الفاتح على الإمبراطورية أبقى على تشكيلات الكنيسة وجميع امتيازاتها وحقوقها، مما أتاح استمرار التمسك باللغة والتقاليد وكل مقومات الأمة، وساعد على انتشار اللغة والثقافة اليونانية بين الشعوب التي تدين بالأرثوزكسية بفعل الطقوس والتدريس في المدارس الدينية باللغة اليونانية، من قبل رجال دين يونانيين. وانتعش تاريخ اليونان القديم، وارتفعت منزلة أدبهم القديم الذي كان يدرّس في جميع مدارس أوربا وجامعاتها. مما جعل المتنورين الأوربيين الذين نشؤوا على حب الأدب اليوناني وتمجيد هذا التاريخ والتعاطف مع أحفاد اليونانيين القدماء ودعمهم لنيل استقلالهم. هذه العوامل حرّكت في نفوسهم العزة والحرية والتبرم من حكم السلطنة، وسهلت مهمة ثورتهم وتحالفت الدول الأوربية معهم.
الأتراك
تكون الأتراك من فرعين: الأول سكن آسيا الوسطى المعروفة بالأناضول، والثاني في المنطقة الشرقية المعروفة بتركستان الصينية. أسسوا دولاً عبر التاريخ وامتدوا إلى أوربا وانقرضوا في أواسط القرن التاسع عشر باستثناء الدولة العثمانية التي حافظت على استقلالها رغم زوال قوتها. أخذ نشوء الفكر القومي منحى آخر لأنهم متحدون ومستقلون قبل نشوء الفكرة القومية. وكانوا حاكمين، وليسوا محكومين. ولنشوء الفكرة القومية التركية علاقة بالقومية العربية. فالدولة العثمانية دولة دينية إسلامية دون أن تلقب نفسها بالتركية. الأوربيون هم الذين لقبوها بالتركية. في البداية كانوا إمارة تابعة للدولة السلجوقية ثم انفصلت أواخر عهد سلاطين السلاجقة. وهي متاخمة للإمبراطورية البيزنطية الهرمة، مما فسح لها المجال للتوسع في (بلاد الكفر) باسم الجهاد وباسم الإسلام، ورسخت أقدامها في أوربا وكونت جيشاً كبيراً باسترقاق الأطفال وتربيتهم إسلامياً وعسكرياً عرف بالجيش الإنكشاري. لا يعرف أفراده إلا الحرب لعدم معرفتهم بأصولهم وحروبهم تحت راية الإسلام وحّدت تاريخهم بالتاريخ الإسلامي. ويرون أن السلاطين العثمانيين امتداد للخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين. لكنهم أتراك دون أن يتبنوا التركية التي كانت تدل على العوام. واللغة تنسب إلى العثمانية لا إلى التركية. أكثروا من استعمال المفردات العربية والفارسية، واستعانوا بقواعدها ونظموا الشعر على أوزان العروض العربية والفارسية التي لا يفقهها العوام، الذين كان لهم نوع آخر من الشعر له وزن بسيط يسمى بوزن البنان لاستناده إلى عدد المقاطع بالأصابع، ينشدونه على أنغام الربابة، وسمي بشعر الربابة الذي ترفّع عنه رجال العلم والأدب العثماني الأرستقراطي الإسلامي النسب. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر قامت الدولة العثمانية بإصلاحات إدارية ومالية وقضائية متاثرة بالغرب ورفعت شعارات المساواة مع الإبقاء على التمييز في الدين، إذ أعفي المسيحيون من خدمة العسكرية بدفع البدل النقدي. وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت الفكرة القومية تدب في النفوس. وبدأت أولاً حركة لغوية وأدبية، ثم صاغت أبحاثاً تاريخية. وانتقلت إلى ميادين الحكم والسياسة، فاستتركوا التاريخ واللغة والدولة. وقامت الحركة بتأليف الجمعيات وإصدار المجلات ونشرها بين الشباب بالمقالات والخطب والأشعار والأغاني التي لقيت المعارضة باسم الإسلام من قبل البعض من الكتّاب، على أساس أن النعرات القومية معادية للإسلام. ومعارضة أخرى باسم العثمانية التي رأت أنها تهدم الروابط العثمانية بين الأقوام وتسبب انقراض السلطنة. لكن الفكرة القومية تغلبّت بمساعدة الحروب على السلطنة والوقائع التي حصلت بفعل الحركات الانفصالية التي لم تُبقِ إلا الولايات التركية.
البلاد العربية والسلطنة
عندما انتشرت رياح القومية في السياسة الأوربية أوائل القرن التاسع عشر كانت البلاد العربية تحت الحكم العثماني، باستثناء اليمن الزيدية، التي استمرت في مقاومة السلطنة لإيمانهم أن الخلافة لأهل قريش ولأبناء الإمام زيد. تزعزع استقرار السلطنة بسبب حركة الوهابيين في نجد، ومحمد علي باشا في مصر، لكن الثورتين لم تستكملا نشوء الفكرة القومية العربية. لأن الوهابية دينية، ومحمد علي لم يستمد قوته من نزعة قومية. لكنه أسس دولة قوية عصرية فسحت في المجال لقيام نهضة فكرية أدبية عربية. كانت علاقة العرب مع السلطنة دينية، فالمسلمون يشاركون السلطنة بالانتصارات والانكسارات، لأنهم يؤدون الخدمة العسكرية. أما المسيحيون فيدفعون البدل النقدي، لذلك كان ارتباطهم بالغرب قوياً. ونشأت أنماط الفكرة القومية عند المسلمين غير الأنماط عند المسيحيين. فالمسلمون ينظرون إلى الأمجاد والتاريخ والخلافة أنها تسلسلت من الخلفاء الراشدين إلى الأمويين والعباسيين والعثمانيين.
وعند انتشار الفكرة القومية اخذ المتنورون ببحث الخلافة والشك بجواز الخلافة العثمانية، لاشتراط الكتب الفقهية النسب القرشي، وهو غير متوفر في آل عثمان، مقابل قول الأتراك إن الخلافة انقلبت إليهم بتنازل آخر الخلفاء العباسيين للسلطان سليم الأول. هذا المنحى ديني، وظهر منحى آخر للمتنورين بالقول بالفكرة القومية بمعزل عن الاعتبارات الدينية. وتوزع المصلحون إلى تيارات منهم من طالب بإصلاح الولايات العربية، ومنهم من وازن بين الولايات. ورأى أن للعرب حقوقهم المهضومة. ومنهم من طالب بخلافة عربية وعودة الحق إلى نصابه.
أما المسيحيون فبسبب خضوعهم الاضطراري للسلطنة لا يهتمون بالتاريخ العثماني ولا العربي، لأنه إسلامي لا يخص غير المسلمين. لكن جماعة من المتنورين منهم درست التاريخ من المصادر الغربية، ووصلوا إلى أن الأمة العربية من أعظم الأمم، وكان لها حضارة قبل الإسلام وصار لها حضارة بعد الإسلام. والأوربيون اقتبسوا منها الكثير، ومن حق المسيحيين الافتخار بها كما المسلمين، والعمل على إعادة المجد إلى سالف الأزمان. كانت هذه النزعة هي البذور الأولى لفكرة القومية العربية. والجدير بالذكر أن السلطنة عندما أعطت شركة ليبخ الإنكليزية امتيازاً أثارت موجة غضب بين النواب العرب، وعدوا ذلك تفريطاً بالحقوق العربية. كما حدث استياء عندما أرسلت قوة كبيرة من طرابلس الغرب إلى اليمن لإخضاعها للسلطنة، وتسبب ذلك باحتلال الطليان لطرابلس الغرب. ثم تشكلت الجمعيات السرية، وعقد مؤتمر باريس عام 1913 اشترك فيه ممثلون عن سائر الجمعيات العربية في الأستانة ودمشق وبيروت والقاهرة ومهاجرو المكسيك والولايات المتحدة. وتلقى التأييد من مختلف المدن السورية. وقد أكد المؤتمر أن لا غاية دينية له، والمشتركون مسلمون ومسيحيون يعدّون أنفسهم أبناء أمة واحدة هي الأمة العربية. وقال ندرة مطران: إذا كانت النعرة الجنسية فضيلة، فلا أجد أمة أشد تأثراً بعواملها من الأمة العربية. وقال: لما قدم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح بجيوش المسلمين إلى الشام وجد حرَّاساً على أبوابها من الغساسنة، وهم عرب نصارى، يتقدمهم جبلة بن الأيهم. وبدل قتال المسلمين تركوا الرابطة الدينية والسياسية القاضيتين بموالاة الروم، وفضلوا ولاء الناطقين بالضاد، ومهدوا السبيل وفتحوا الطريق ومكنوهم من فتح البلاد، وهذا يدل على تفضيلهم للجنس وليس للدين.