اقتصاد السوق الاجتماعي.. “في المفهوم”
بشار المنيّر:
تبنَّى حزب البعث العربي الاشتراكي اقتصاد السوق الاجتماعي في مؤتمره العاشر، المنعقد في عام ،2005 فأضاف غطاء رسمياً.. حزبياً إلى الطابع (الانفتاحي) للاقتصاد السوري، ويجمع اقتصاد السوق الاجتماعي الذي أقره المؤتمر العاشر بين دعم التوجه نحو تحرير الاقتصاد، ومتابعة تهيئة المناخ القانوني والإداري اللازم لاقتصاد السوق الحر، وبين حزمة من الأهداف الاجتماعية، كتخفيف حدة الفقر، وتطوير الخدمات التعليمية والصحية، وأهداف أخرى تضمنتها الخطة الخمسية العاشرة.
الطاقم الاقتصادي للحكومة كان ماضياً آنذاك في إجراءاته الهادفة إلى تبني سياسات التكييف الاقتصادي والتثبيت الهيكلي التي وضعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتعاون مع الولايات المتحدة،والتي يطلق عليها(توافق واشنطن) وتحويل الاقتصاد السوري إلى اقتصاد رأسمالي ريعي، دون أي ضوابط اجتماعية. لكنه لم يفاجأ بالإطار الاجتماعي الجديد، فهو بطبيعة الحال لم يكن معنياً بأي تسمية أو توصيف، فهما لن يؤثرا على استمراره في تنفيذ إجراءاته.
جاء على لسان النائب الاقتصادي السابق، وأحد كبار مدبري الاقتصاد السوري خلال سنوات التحول الاقتصادي، في حديث نقلته مجلة (الاقتصادية) بعددها رقم 350 الصادر في 22 حزيران 2008:
(كلمة اقتصاد السوق الاجتماعي، ليست اختراعاً للحكومة السورية، فنحن عندما بدأنا ببرنامج الإصلاح الاقتصادي لم نسمِّ هذا الاقتصاد، فأنا لم يخطر ببالي يوماً أن أطلق تسمية على هذا الاقتصاد الذي نسير باتجاهه، فقد وضعنا برنامج الإصلاح من سياسة مالية وسياسة نقدية جديدة،كذلك حرية التجارة والاستثمار وتشجيع تطوير البنية التحتية، وتعميم اقتصاد محرر من القيود في جميع القطاعات، ولكن لم يخطر ببالنا تسمية ما نقوم به، لكن القيادة السياسية في المؤتمر القطري للحزب قررت أن تسمي هذا الشيء اقتصاد سوق اجتماعي، بعدها طُلب منا أن نفسر معنى هذا المصطلح).
اقتصاد السوق الاجتماعي
أجمع الباحثون الاقتصاديون في سورية، أن اقتصاد السوق الاجتماعي لايمثل اتجاهاً مناقضاً لجوهر الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية واجتماعية، فقد نشأ أصلاً في البلدان الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية. وسنورد باختصار شديد، بعض الآراء التي طرحت في مناقشات الطاولة المستديرة التي أقامتها الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية في مكتبة الأسد بدمشق بتاريخ 14/7/،2009 تحت عنوان (اقتصاد السوق الاجتماعي بين المفهوم والتطبيق).
الدكتور منير الحمش
بالإمكان التمييز بين ثلاثة نماذج للرأسمالية:
النموذج الأول: هو رأسمالية الليبرالية الأنكلو ساكسونية الجديدة، وهي التي تطلق العنان لقوى السوق، وتمثلها الولايات المتحدة التي ورثت النموذج الليبرالي البريطاني منذ منتصف القرن التاسع عشر.
النموذج الثاني: هو رأسمالية الدولة (الحانية أو الراعية) الأوربية، أو دولة الرفاهية الاجتماعية، وهي تسعى إلى إيجاد نمط تصحيحي للدخل، بالحد من وحشية قوى السوق، والحد من عمل قانون النمو غير المتوازن عبر تقلبات الدورة الاقتصادية.
النموذج الثالث: هو نموذج رأسمالية الدولة التوجيهية الساعية إلى إقامة المشروع الرأسمالي من أخلاقيات العمل في المجتمع القديم، والحريص على الحد من التناقضات بين المشروعات بقصد تحقيق أداء أكفأ، وخاصة على صعيد السوق الدولية (نموذج الرأسمالية اليابانية).
وفي تركيزنا على النموذج الثاني (الدولة الحانية أو الراعية) وهي دولة الرفاهية الاجتماعية التي قامت نتيجة للمساومة التاريخية التي تمت بين العمل والرأسمال، وهي أقرب إلى ما يمكن دعوته باقتصاد السوق الاجتماعي. ويعتمد نموذج الدولة الحانية أو الدولة الراعية على مبدأين هما:
المبدأ الأول: مبدأ تدخل الدولة من أجل تصحيح آثار قوانين السوق الرأسمالية، وذلك من خلال التدخل في توزيع الدخل والحد من استغلال القوى العاملة، وكذلك من أجل ضمان الحقوق الاجتماعية للفئات الأجيرة والوسطى والدنيا.
المبدأ الثاني: هو المساومة الاجتماعية (ويدعوها البعض التاريخية) بين الرأسمال والطبقة العاملة من خلال التعامل مع نقابات عمالية قوية، لكنها تراجعت عن النهج الثوري لصالح النهج الإصلاحي.
الباحث عبد القادر نيال
(يمثل اقتصاد السوق الاجتماعي من حيث علاقات الإنتاج والتوزيع أحد أنماط الاقتصاد الرأسمالي الذي يقوم على ركائز ثلاث: الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والمبادرة الفردية الحرة، ودور قوى السوق (العرض والطلب) في تحديد أسعار السلع والخدمات، وتالياً في تخصيص الموارد للاستعمالات المختلفة.
ويتميز هذا النمط من الاقتصاد الرأسمالي بتدخل الدولة في السوق لتصويب انحرافاته والحؤول دون فشله، وقيامها بتوفير خدمات صحية وتعليمية شبه مجانية، إضافة إلى شبكات الضمان الاجتماعي، وبنية تشريعية متكاملة للحفاظ على حقوق العاملين بأجر، والحد من التفاوت في المجتمع، ووجود قطاع عام يتوضع بشكل رئيسي في الهياكل الارتكازية ويعنى بالقضايا الاستراتيجية المستقبلية. لأن اقتصاد السوق الاجتماعي يقوم على العلاقات الرأسمالية في الإنتاج والتوزيع، فهو لا يلغي العوامل الكامنة خلف ظاهرة تفاوت الثروة والدخول في المجتمع. لكنه يتيح الوسائل والأدوات التي من شأنها التخفيف من حدتها بما يكفل المحافظة على الاستقرار الاجتماعي، ويساعد على تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة).
الباحث بشار المنيّر
(اقتصاد السوق (الاجتماعي) صاغت أسسه النظرية في أربعينيات القرن الماضي مدرسة (فرايبوك)، وهي مجموعة من الاقتصاديين الألمان أبرزهم الفريد آرماك و لودفيغ إيرهارد، في محاولة لبناء طريق ثالث بين الليبرالية الكلاسيكية والاشتراكية، ويقوم على إعادة تشكيل العلاقة بين المنافسة والتضامن، بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية، فالوظيفة الأولى للدولة في هذا النهج هي توفير الإطار المناسب لكي يُطلق جميع الناس مبادراتهم الاقتصادية الخاصة. أما الوظيفة الثانية فهي تأمين التوازن الاجتماعي للعملية الاقتصادية من خلال سياسة اجتماعية شاملة تعيد توزيع الدخل الوطني. ولم يضع منظرو (فرايبوك) تحديداً نهائياً أو فكراً منجزاً لمفهوم السوق الاجتماعي، بل وضعوا أفكاراً قابلة للاختبار والتجديد والمراجعة.
وتتلخص المبادئ الأساسية لاقتصاد السوق الاجتماعي في بناء نظام فعال للسلع والخدمات وأسواق المال دون المساس بجوهر اقتصاد السوق وآلياته، خاصة حرية الأسواق، وحرية تملك وسائل الإنتاج، وضمان حرية التعامل والنفاذ إلى الأسواق، وحرية التعاقد، ووضع سياسة نقدية تقوم على استقرار قيمة النقد. إنها مجموعة من المبادئ التي لا تتناقض مع الأساس الاقتصادي للنظام الرأسمالي، فالملكية الفردية لوسائل الإنتاج ونظام العمل المأجور يفعلان فعلهما في اقتصاد السوق الاجتماعي، وتضمن الدولة استمرارهما مظهرَين رئيسيين من مظاهر الليبرالية الكلاسيكية، لكن الليبرالية (المنظمة) التي عبرت عنها مدرسة (فرايبوك) أضافت وظائف أخرى إلى الدولة تضمن بموجبها تحقيق الظروف المادية والطبيعية للإنسان، كالاهتمام بالضمان الاجتماعي والصحي).
الدكتور توفيق سماق
(ما هو هذا الاقتصاد الذي تبناه الحزب وسلطته؟ ثم كيف اعتمد في سورية؟ ولماذا؟
اقتصاد السوق الاجتماعي ليس اختراعاً بعثياً أو اكتشافاً سورياً، بل هو الاقتصاد الذي أخذت به ألمانيا (الغربية سابقاً) بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الاقتصاد السائد في معظم الدول الأوربية خاصة الدول الاسكندينافية، كذلك هو الاقتصاد المنصوص عليه في دستور الاتحاد الأوربي الذي طرح للاستفتاء في دول الاتحاد قبل نحو ثلاث سنوات.
ببساطة يمكن توصيف اقتصاد السوق الاجتماعي على النحو الآتي: السوق بقدر الممكن والدولة بقدر الضرورة، أي هو الاقتصاد الذي يسمح بالممكن من حرية السوق ويتطلب الضروري من تدخل الدولة. أما الحدود الفاصلة بين حرية السوق وتدخل الدولة فتحددها إرادة المجتمع معبراً عنها من خلال مؤسسات السلطة الحاكمة (تشريعية – تنفيذية – قضائية) ومؤسسات السلطة الموازية (الإعلام – منظمات المجتمع المدني- الاتحادات والنقابات). ولاستكمال صورة المشهد بخلفياتها وتفصيلاتها ونتائجها، نضيف أن حزب البعث العربي الاشتراكي لم يتوصل إلى اعتماد هذا النمط الاقتصادي بشكل عفوي أو مفاجئ كما يستشف من بعض الآراء التي أتيح لي متابعتها في وسائل الإعلام، بل جاء ذلك نتيجة جهود استمرت لسنوات سبقت المؤتمر).
أما كيف طبق هذا النهج الاقتصادي بعد ذلك، وماذا كانت انعكاساته على جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ففي مقالة قادمة.
(*) عضو جمعية العلوم الاقتصادية