غاباتنا.. طبيعتنا.. ثرواتنا المتجددة

حسن البني: 

تتمتع سوريا منذ الأزل بطبيعة خلابة وساحرة، تشدُّ الأنفاس والأعين، وأهم ما يميّزها هو الغطاء الأخضر المنتشر في كل بقاعها والمتمثّل بالغابات الكثيفة والرائعة، فلا نجد محافظة تخلو من الغابات والأحراج. ولكن للأسف، في الآونة الأخيرة، تعرّضت هذه الغابات لأشدّ أنواع الملوثات البيئية التي تُهدد بانقراضها وتحويلها إلى مناطق صحراوية جافة، من أخطرها الحرائق التي التهمت العديد من الغابات السورية التي تحتوي على أشجار مثمرة وغير مثمرة، وذلك غالباً بسبب الممارسات السيئة والتلويث المتعمّد والمُفتعل أحياناً، وبسبب غياب مفهوم التربية البيئية الذي يُعتبر أساس النهوض بالوعي البيئي وإنتاج بيئة سليمة.

فالتمادي في التعدي على هذه الثروات الطبيعية، إن كان مقصوداً، أو بسبب غياب الوعي البيئي بهذه المشكلات، يضعنا أمام مشكلة أعظم تمسُّ الوجود الإنساني، فزوال الغابات مستقبلاً يؤدي إلى عواقب وخيمة ونتائج كارثية لا تُحمد عقباها، ومن أخطرها التصحّر والملوحة، ومن مظاهر التصحر: انجراف التربة وزحف الرمال وتدهور الغطاء النباتي وتملّح التربة الزراعية والوجود الغزير للأتربة في الهواء، ومن هنا تبرز الحاجة إلى التربية البيئية، لتجنّب الكثير من تلك المشكلات البيئية التي يُضاف إليها مشكلات أخرى مثل تلوث الهواء والماء، والتلوث الضوضائي والإشعاعي، والتلوث بالمبيدات الكيميائية، فضلاً عن الفضلات والنفايات والحرائق، فحرائق الغابات التي حصلت خلال السنة الماضية في الساحل السوري وفي منطقة حماة وبخاصة المناطق كثيفة الغابات والأحراش، كانت في بعض أسبابها مُتعمّدة وترجع إلى الإهمال وغياب الحسّ البيئي لدى الكثير من الناس، فنحن نلاحظ في حياتنا اليومية الممارسات والأفعال الخاطئة لدى العديد من الناس وهي تتمثل في رمي أكياس القمامة في الشوارع مع العلم بوجود حاويات خاصة بها، هذه الأفعال مثال واحد من آلاف الأمثلة على ما يحدث من تلويث وتخريب وتشويه للبيئة، وهذا ما يحدث أيضاً في المتنزهات الطبيعية المنتشرة في البلاد، فما من سوري إلاّ ويعرف حديقة تشرين، ولكن عندما نرى النفايات والقمامة التي يتركها مرتادو هذه الحديقة ينتابنا الحزن والأسى على التشويه المتعمّد الذي يُصيب جمال هذا المتنزه. فلماذا لا تبدأ التربية البيئية التي يمكن أن نعود عليها أولادنا من البيت، ثم نطبّقها في الشارع والمدرسة والجامعة وكل مكان يوجد فيه أولادنا؟ وما دمنا نحترم أماكن العبادة ونعتبر ذلك واجباً مقدساً، فإن من واجبنا أيضاً أن نظهر ونمارس الاحترام نفسه للبيئة التي نعيش فيها.

والكثير لا يعلم أن سورية على المستوى الحكومي قد أنشأت العديد من الهيئات والمجالس المتخصصة بشؤون حماية البيئة في السنوات الماضية، ولكن للأسف، لم تُطبّق قرارات هذه المجالس على أرض الواقع بسبب بعض السياسات الحكومية المتعاقبة والخاطئة التي أدت إلى غضّ الطرف عمّا يحدث من كوارث بيئية، ومنها حرائق الغابات التي كان أغلبها بسبب وجود من له مصلحة في إحراقها، كما نشكو أيضاً من قلّة وجود إعلام بيئي متخصص، وندرّة التغطية الإعلامية لهذا الموضوع المهم والذي يمسّ حياة كل إنسان فينا، فهذه الغابات هي بمثابة الرئة الطبيعية التي نتنفس منها، فقطع الأشجار والغابات وإحراقها يؤدي إلى تدمير البنية التحتية للبيئة التي نعيش فيها.

ومع ذلك، بدأنا نرى الآن بعض السلوكيات البيئية الجيدة التي بدأت تنتشر مثل حاويات القمامة التي وضعت في حرم جامعات دمشق، وهي مُعدّة لفصل القمامة القابلة للتدوير، وهذه خطوة جيدة، أسوة ببعض الدول التي تمكّنت من حل مشكلة بعض النفايات بإعادة استخدامها مرة أخرى لما لذلك من جدوى اقتصادية كبيرة ويحدُّ من التلوث الحاصل، فتعميم هذه السلوكيات في مجتمعنا يساهم مساهمة فعّالة في الوصول إلى بيئة خالية من التلوث والحفاظ على ثرواتنا الطبيعية المتمثلة بالغابات والغطاء الزراعي الأخضر الجميل الذي يحيط بسورية. 

العدد 1183 - 23/01/2026