هل أصبح الحلم بعيد المنال؟
إيناس ونوس:
تشكَّلت الحركات النَّسوية في سورية منذ زمنٍ بعيد، فقد وصلت المرأة إلى لقناعةٍ تامة بأنها ذات كيان مستقل، وأن لها حقوقاً تساوي ما عليها من واجبات، وأن وجودها في الحياة لا يمكن أن يُختزَل فقط في البيت وإنجاب الأطفال. ومن هنا انطلق العمل على تحرير عقل المرأة من العديد من الأفكار التي لم تعد تتناسب وإدراكها لأهميتها من جانب، ومن جانبٍ آخر لم يعد الواقع المعيش على كل المستويات متوافقاً مع تلك الأفكار، فالمرأة خرجت للعمل والدِّراسة وأخذت تتبوَّأ مراكز لم تكن من نصيبها من قبل، وتشارك بل وتنافس الرَّجل في مجالاتٍ عدَّة.
تنوَّعت تلك الحركات حسب ما يتوافق مع رؤى من أسَّسنها من أفكارٍ وأهداف، فكانت الجمعيات الأدبية والمنتديات التي أسستها رائدات وناشطات في ثلاثينيات القرن الماضي، كما أدى حراك نسوي وسياسي، بعد الاستقلال، إلى تأسيس رابطة النِّساء السُّوريات (الجناح النَّسوي في الحزب الشُّيوعي السُّوري)، وأُسِّس فيما بعد، الاتحاد العام النِّسائي كإحدى منظمات الدَّولة والمجتمع التي أسَّسها حزب البعث العربي الاشتراكي، وظهرت أيضاً ونشطت التَّنظيمات النَّسوية ذات الطَّابع الدِّيني وتحديداً الإسلامي.
في مرحلة ما من عمر المجتمع السُّوري، نشطت التَّنظيمات العلمانية والمدنية وعملت على نشر أفكارها، وتطوَّر هذا العمل فوصل إلى المطالبة بتغيير بعض القوانين المعمول بها في البلاد كقانون الأحوال الشَّخصية، ثم المطالبة بمنح المرأة السُّورية جنسيتها لأبنائها، وكان لافتاً بهذا الخصوص نشاط رابطة النِّساء السُّوريات على مدى عشر سنوات من العمل في النُّور وبين أفراد المجتمع كافَّةً، بينما كانت تنشط في الظِّل تنظيماتٌ مناقضةٌ تماماً ولا يناسبها ما وصلت إليه الحركة النَّسوية العلمانية من قبولٍ وتشجيعٍ مجتمعي، الأمر الذي أخاف بعض أصحاب القرار، ودفعهم لأن يعلنوا اغتيال هذه المنظَّمة ومنعها من العمل أو ممارسة أي نشاط، في وقتٍ جرى فيه فسح المجال، لمزيد من الانتشار والتَّوسُّع، لتنظيمات دينية متشددة في رؤاها تجاه المرأة، كتنظيم القبيسيات الذي يجسِّد أكبر خطرٍ على المجتمع حالياً ، فكانت الضَّربة القاضية للحراك المدني العلماني في الفترة التي سبقت الحرب الكارثية المتواصلة، وخلق المناخ المناسب للحركات الأصولية الدِّينية بالتَّغلغل في أنسجة المجتمع وتعبئتها وشحنها بأفكار قضت على قسمٍ كبير مما أمكن تحقيقه على مدى قرنٍ كامل. وجرى تقديم كل التَّسهيلات لعملها، فما كانت النَّتيجة؟ تشكيل تنظيماتٍ نسويةٍ مسلَّحةٍ شاركت في قتل السُّوريين وسفك دمائهم، ككتيبة أم الدِّرع التي تسبَّبت في اغتيال العديد من أبناء دمشق ومحيطها منذ فترة قريبة وغيرها كثير.
لا يمكن إلقاء اللوم في اغتيال العمل النَّسوي المدني والعلماني على أصحاب القرار وحدهم، ولا على ازدياد نشاط العمل الأصولي فقط، بل باعتقادي أن المساهم الأول هو تلك الأحزاب التي تبنَّت التَّنظيمات النسوية العلمانية، فكانت أكبر عاملٍ مساعدٍ على وأدها، من خلال تهميشها وتخوين بعض ناشطاتها حينما خرجن عن السِّياق العام بموقفٍ أو برأيٍ آخر، إضافةً إلى أن البعض ممّن ساهمن في العمل آثرن، في لحظةٍ ما، الانسحاب من العمل المنصبِّ في المصلحة العامَّة والاكتفاء بالمصالح الخاصَّة، وهذا على ما أظن نابعٌ من عدم امتلاكهن القناعة الكافية بما كنَّ يقمن به وبالأفكار التي تبنَّينها ذات يوم، وهذا هو الفارق بينهن وبين النَّاشطات في التَّنظيمات الإسلاموية اللواتي يمتلكن القناعة الكافية بما يقمن به، ولديهنّ الحجج والبراهين والقدرة على الوصول بسلاسةٍ إلى الشَّارع السُّوري الذي تُرك وحيداً لا يجد من يشحنه ويقنعه سوى تلك التَّيارات.
لا يمكنني أن أهنِّئ الحراك الإسلامي على ما حظي به من دعمٍ حكومي غير مسبوق، وفي الوقت ذاته لا أملك إلاّ الحسرة والبكاء على الأفكار التي تبنَّاها الحراك المدني العلماني دون مقدرةٍ على تحويلها إلى واقع، بحكم عاملين أساسيين، الأول المجابهة القوية ممّن هم خارجه، والثَّاني ارتداد البعض من أعضائه عن أفكارهم وعملهم، فكان هذا الحراك بين فكَّي كمَّاشة أودت به للموت في أشدِّ مراحل البلاد حاجةً له.
فهل يأتي ذاك اليوم الذي نشهد فيه عودة نشاط التَّنظيمات النَّسوية العلمانية، ونراها تنتشر بين النَّاس مجدَّداً، أم أنه ما علينا إلاّ القول: على الدُّنيا السَّلام؟!