من الصحافة العربية العدد 565

شتاء الغضب العربي

 

تم تدليع الانتفاضات العربية، بمنحها اسم: ثورات الربيع العربي، ولكننا بعد سنتين لم نر ربيعاً، فلا أرض خضراء، ولا براعم على الأشجار، ولا خصب في بلاد العرب التي تفجرت فيها (الانتفاضات). و..جرت فيها (انتخابات). سميناها(ثورات) تفاؤلاً واستبشاراً ورهاناً على تطور( الانتفاضات)، وتحولها إلى ثورات حقيقية، تكتسح كل ما تسببت به أنظمة الاستبداد، والتفرد بالحكم والتبعية، وتؤسس لأنظمة حكم ثورية، تجسد أشواق وتطلعات من انتفضوا وارتقوا بالانتفاضات إلى مرحلة الثورات الجذرية، التي ترسي دعائم نظم حكم عادلة اجتماعياً، تمنح الإنسان العربي مواطنة حقيقية، وحرية طالما انتظرها، لا يستفرد بها طرف واحد يعيد إنتاج دورة الاستبداد والظلم والتبعية.

الأنظمة التي جاءت إثر انتفاضتَيْ تونس ومصر، قدمت حتى اللحظة نموذجين لم يلبيا تطلعات الجماهير الشعبية التي انتفضت، واكتسحت نظامي بن علي ومبارك.نحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وبعد انتفاضات وصفت بأنها ثورات الربيع العربي، ومع ذلك فهذا الربيع الكاذب، يأخذ أقطارنا العربية التي انتفضت إلى تقسيم وتمزيق البلدان والمجتمعات. فكيف يحدث أن نتائج (ثورات) ربيع عربي، تكون سبباً في تقسيم أقطار عربية إلى مزيد من القطرنة والتجزئة؟!حدث هذا من قبل حين هب بعض العرب ضد حكم العثمانيين، برعاية بريطانيا، وبتآمر من الضابط الجاسوس لورنس العرب. فمن وعدوا الشريف حسين بدولة عربية تكون إمبراطورية ترث إمبراطورية بني عثمان، كانوا يقتسمون بلاد العرب، تركة الرجل المريض (تركيا)، في غفلة من قادة ثورة العرب تلك. روسيا البلشفية، بقيادة لينين، فضحت اتفاقية سايكس بيكو، بين بريطانيا وفرنسا، التي يتم تقاسم المشرق العربي بموجبها، وتمكن بريطانيا من وضع يدها على فلسطين، تمهيداً لجعلها وطناً لليهود. بعد قرن من الزمن على تقسيم المشرق إلى دويلات، يعود من تقاسموا بلادنا، وزرعوا الكيان الصهيوني في فلسطين، لتقسيم المقسم إلى دويلات أكثر صغراً وتفاهة وفشلاً من الدول السابقة.أعداء الأمة الدائمون، بريطانيا، وفرنسا والولايات المتحدة الوارثة للاستعماريين القدامى، لا يريدون للعرب أن يتحدوا، ولذا يزيدونهم تمزيقاً، ويزرعون بينهم الفتن، ويلهونهم في صراعات داخلية تستنفد طاقاتهم وتدمر علاقاتهم.كيف يمكن أن نثق بحرص الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا والغرب الاستعماري العنصري، على نشر الديمقراطية في وطننا العربي؟خُدع آباؤنا وأجدادنا من قبل، فكيف نُخدع نحن من جديد، مع أننا يفترض أن نكون قد وعينا درس تقسيم بلادنا، وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين؟!سرقت الانتفاضات، من قوى داخلية ضيقة الأفق، بتشجيع خارجي، هدفه تيئيس العرب وأجيالهم الشابة بالخداع والتضليل واستنفاد الطاقات في صراعات داخلية، خاصة مع بروز جهة بعينها همها الهيمنة على السلطات، لا بناء دول قوية، والطموح لبناء دولة عربية واحدة، تسخر الثروات في بلاد العرب للبناء والنهوض واللحاق بالأمم.

هل هذا هو وعد ثورات الربيع العربي؟لا، فالربيع لم يأت بعد، لأنه سيكون ربيعاً لتأسيس أنظمة حكم لا تتسيد عليها جهة واحدة، تُفرَض على المجتمعات العربية قسراً، وقهراً، وابتزازاً، وتضليلاً..سلطات تستغل الدين وتسيّسه، تجر إلى صراعات مدمرة تعيق سعي شعوب العرب لتأسيس مشروعها النهضوي للخروج من حالة التبعية والتخلف والفرقة التي زرعها سايكس  بيكو. يقتضي شتاء الغضب العربي من شباب الأمة، وثوارها الحقيقيين، أن يواصلوا ثوراتهم.

رشاد أبو شاور

(القدس العربي)، 15/1/2013

 

هواجس على هامش مآلات الربيع العربي

 

الثورة الحقيقية هي تلك التي تشكل انقلاباً في مسار التاريخ، محدثة تغييراً جذرياً في العقليات والرؤى والمفاهيم. تقطع مع السائد والمعهود لترسي عالماً جديداً بكل أعرافه وقيمه ومسلماته، فلا يكون ما بعدها كما قبلها.

من هذا القبيل كانت الثورة الليبرالية الحداثية التي قالت بمركزية الإنسان في الكون، وبحقوقه الطبيعية غير القابلة للانتقاص، والمساواة القائمة بين الناس من دون تمييز أو تفريق على أساس الدين أو الطبقة أو اللون، مؤكدة قدرة العقل الإنساني وحقه في الرفض والنقد والمساءلة، ما دشّن أفقاً مختلفاً للإبداع وتحدي المجهول والغامض والممنوع التفكير فيه. ولم تكن الديمقراطية التي جاءت فيما بعد إلا تطبيقاً متدرّجاً لهذه الرؤية الليبرالية، بدءاً بإسقاط العبودية وانتهاءً بالاعتراف بحقوق المرأة الإنسانية والسياسية، مروراً بالمساواة المواطنية.

تبعاً لذلك هل يمكن القول إن الانتفاضات العربية الراهنة ثورات حقيقية، أم هي أشكال من التمرد والعصيان لا تغير في مجرى التاريخ ولا هي تؤسس لتحول نوعي في حركته؟بالاستناد إلى ثلاثة معايير أساسية من معايير التحول الحقيقي نحو الديمقراطية أي المساواة المواطنية، والعقلانية، وحقوق المرأة، نجد أن الانتفاضات العربية أبعد ما تكون عن تشكيل حراك ديمقراطي بمعناه الليبرالي الحداثي. فقد برهنت سريعاً عن الإخلال بمبدأ المساواتية المواطنية، وعن تهديد الاتجاهات العقلانية الإبداعية ومحاصرتها ووصمها بالكفر والزندقة، فضلاً عن تهميش مكانة المرأة وموقعها في الحراك الديمقراطي.

أما الوجه الأبرز والأكثر قتامة للمآلات غير المنشودة ل (الربيع العربي) فهو (اندلاع المعركة على مصراعيها بين الأصوليين الظلاميين من جهة، والمثقفين المستنيرين من جهة أخرى)، على حد تعبير المفكر السوري هاشم صالح. وأكثر ما تجلى هذا الصراع في الهجمة الشرسة على رموز الإبداع والتنوير في العالم العربي.فالسلفيون يهددون المثقفين التونسيين بالقتل إن لم يتوبوا، وفي مصر يهاجم السلفيون نجيب محفوظ وعادل إمام بتهم باطلة، وينبري الأصولي المصري هاني السباعي لإدانة مجموعة من التنويريين واصفاً إياهم بالزنادقة. فطه حسين في رأيه لقب بعميد الأدب العربي ظلماً وزوراً. ونجيب محفوظ نال جائزة نوبل المشبوهة. وعزيز العظمة وأدونيس ومحمد أركون كفار لا يؤمنون بأي دين. ويضيف السباعي إلى هؤلاء حسن حنفي ومالك شبل وعادل ضاهر باعتبارهم زنادقة جدداً. ووصل الأمر بالسلفي هاشم القرضاوي إلى حد اعتبار كل من يهاجم (الإخوان المسلمين) لصاً وفاجراً وصاحب ملذات وشهوات محرمة وشارب خمر ولاعب ميسر، وشاذاً جنسياً من قوم لوط وعميلاً للغرب وللصليبيين والصهاينة ويعادي الإسلام. ولم يتورع السلفي وجدي غنيم عن وصف البابا شنودة بعد وفاته ب (رأس الكفر).لكن هذا كله لا يقلل في رأينا من أهمية الانتفاضات العربية الراهنة، فقد قارعت الاستبداد المزمن وأطاحت أنظمة ديكتاتورية عاتية. إلا أن من غير الواقعي التعامل معها على أنها (ثورات) بالمعنى الجذري، وانطلاقاً من تصوّر الثورة فعلاً مفاجئاً يباغت المجتمعات فيزلزل ركودها التاريخي دفعة واحدة.

الثورات التاريخية الكبرى قد تبدو هكذا، إلا أنها في الحقيقة إنجاز تراكمي تاريخي قد يستغرق وقتاً طويلاً كي يتبلور ويستقر ليظهر في صورة قطيعة مع الماضي. التحول الليبرالي في بريطانيا وفرنسا حدث في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، ومع ذلك لم تشمل الديمقراطية كل المواطنين إلا في ثلاثينيات القرن الماضي أو أربعينياته.

إذا نظرنا إلى الانتفاضات العربية من هذا المنظور فسنجد أمامنا أفقاً مفتوحاً للأمل في المستقبل، على رغم كل ما يساورنا من عوامل القلق والإحباط.

كرم الحلو

(الحياة)، الثلاثاء 15/1/2013

العدد 1183 - 23/01/2026