المقاربة المصرية لإتمام المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني

يعد التردي في وضع القضية الفلسطينية، سواء على صعيد عملية السلام أم على صعيد الانقسام الفلسطيني الداخلي وتزايد حدة سياســــــات الاستيطان الإسرائيــــــلي في الأراضي الفلسطينية وفي القدس تحديداً، سبباً للقلق الاستراتيجي المصري، لما للقضية الفلسطينية وتفاعلاتها الإقليمية والعالمية من تأثير بالغ في الوضع العربي عامة والمصري خاصة، وفي دورها الإقليمي والدولي.. وقد أثر ذلك سياسياً واجتماعياً في قوى المعارضة والموالاة على حد سواء، إذ جاءت المقاربات التي تبناها مختلف الفرقاء متباينة أو متناقضة أحياناً. لذلك يعد التحول في التوازن السياسي داخل جمهورية مصر سبباً جوهرياً لإطلاق مبادرة رعاية الحوار الفلسطيني في القاهرة مؤخراً، لما يشكل استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني من تهديد استراتيجي بعيد المدى لمصر من جهة، ولإمكان استعادة الوحدة الوطنية بين مكونات المجتمع الفلسطيني في المدى المنظور من جهة أخرى.

وقد نقل هذا الواقع القائم الجدل الفلسطيني من مربع الكفاح لتحقيق الاستقلال والعودة وتقرير المصير وفرض وجود الدولة الفلسطينية السيادية، إلى مربع الحديث عن شكل النظام السياسي والإداري وطبيعته لهذه الدولة، حتى قبل أن توجد.

 

تفعيل محاور اتفاق القاهرة.. وتفاهمات الدوحة

لن تستقيم المصالحة الوطنية إذا لم ترسُ على أساس وطني لا لبس فيه، إذ لم يعد ممكناً مواصلة المفاوضات العبثية، بينما التوسع الاستيطاني قائم على قدم وساق.. كما أنه لم يعد ممكناً الاستمرار في توهم وجود سلطة فلسطينية في رام الله، وحكومة مقالة في غزة.. لكن من دون سلطة فعلية لهذه أو لتلك. فالسلطة الفعلية مازالت بيد الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر على الموارد الطبيعية والأجواء والطرق والمعابر والتجارة الخارجية ومختلف مناحي الحياة الأساسية. علاوة على ذلك لم يعد مبرراً استمرار التنسيق الأمني مع المحتل في ظل مواصلة الاستيطان، وبناء جدران الفصل العنصري، وإقامة الحواجز العسكرية، وفرض الحصار واعتقال عشرات الآلاف من المناضلين.

إن وقف التفاوض العبثي والتنسيق الأمني يستدعي الاتفاق على استراتيجيا واضحة للمقاومة، تمنح دوراً لكل مكونات المجتمع، لكن هذا لايعني اختزال تلك الاستراتيجية في شكل واحد ووحيد يستبعد مشاركة أغلبية الشعب، وبالتالي يبقى القرار بشأنه بيد هذا الفصيل أو ذاك، من دون اتفاق وتوافق وطني. فالإجماع الوطني على استراتيجيا للمقاومة هو الذي يحميها من الارتهان لمحاور إقليمية لها استراتيجيتها الخاصة.

إذاً يترتب على توضيح الأساس السياسي للمصالحة الوطنية تغييرات في بنية الهيئات والمؤسسات السياسية الوطنية، بدءاً من بنية السلطة، وانتهاء بمؤسسات (م.ت.ف)، إذ لم يعد ممكناً إبقاء مؤسسات السلطة تعمل بالطريقة القديمة نفسها، وبالأجندات ذاتها، وبالاعتماد المطلق على الريع الخارجي بكل ما يحمله من شروط واشتراطات، فما يحتاجه الشعب هو سلطة تعمل تحت الإشراف السياسي لـ(م.ت.ف) (بعد إعادة بنائها وإصلاحها)، وتعنى برعاية المصالح المباشرة للطبقات الفقيرة، وتكون سلطة ذات بنية شفافة وتقشفية إلى أبعد الحدود، ومن دون فساد ومفسدين.

وتتمثل المهمة المباشرة والأساس أمام فصائل العمل الوطني الفلسطيني (الوطنية والعلمانية والإسلامية) في إعادة بناء المشروع السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية، وذلك لمواجهة السياسة الصهيوأمريكية القائمة على حشر الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية في معازل، وعلى تكريس الانقسام بين الضفة وغزة، وسلخ القدس عنهما. ومن الواضح أن إسرائيل ستواصل نهج التمييز العنصري ضد سكان فلسطين الأصليين داخل (الخط الأخضر)، والإصرار على تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في الشتات.إن إفشال أهداف السياسة الإسرائيلية بعد تغول اليمين الصهيوني العنصري، لن يكون سهلاً إذا استمرت حالة الانقسام وتفرد أي فصيل في السيطرة على مؤسسات العمل الوطني، أو إذا اعتمد التفرد على تشكيل مرجعيات الحقل السياسي، أو عُطلت عملية إصلاح مؤسسات (م.ت.ف) وتجديدها.. إذاً لابد من إدراك أن أي إضعاف أو إلغاء لأي من مكونات المشروع السياسي الوطني هو إضعاف للمشروع برمته، وجعله عرضة للمزيد من الانكشاف والتهميش.. وهذا أمر رأينا بعض نتائجه المأسوية وطنياً في الأعوام الأخيرة.. ويكفي أن نلحظ كيف انتقل ميدان مناقشة الشؤون الفلسطينية الوطنية (قضايا المفاوضات، والمقاومة، والانتخابات، وقضايا الإصلاح والفساد، ودور الأجهزة الأمنية ووظائفها) من المؤسسات الوطنية الفلسطينية إلى العواصم العربية والإقليمية، وإلى الفضائيات.. وبات المشروع السياسي الوطني يعيش أشد حالات الانكشاف وفقدان الوزن منذ تشكله في نهاية ستينيات القرن الماضي، وبالتالي لم يعد ممكناً إعادة التماسك إلى المشروع الوطني من دون معالجة الشرخ الجيو- سياسي الذي بات ينخر في مركزه.. فبغير هذه المعالجة لن تكون فصائل العمل الوطني التي تنشط على أرضية هذا المشروع قادرة على أداء دورها الكامل في إحباط السياسة الإسرائيلية، سواء تلك المتمثلة في إقامة كيان (البانتوستانات) الفلسطينية، أم التحضير لمشروع الإدارة الثلاثية (المصرية- الأردنية- الإسرائيلية) للأراضي الفلسطينية، أم مواصلة تغيير الواقع السكاني والجغرافي في فلسطين التاريخية.

 

استشراف مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني

لقد عبرت فصائل العمل الوطني عن تخوفها من إنهاء المشروع الوطني في حال لم تتم المصالحة، ومن إعادة ربط قطاع غزة بالإدارة المصرية، وما تبقى من الضفة الغربية بالأردن، وهذا التخوف ليس وهماً، إذ إن الكنيست الإسرائيلي ناقش مؤخراً فكرة (وطن الفلسطينيين البديل في الأردن) الأمر الذي أثار حفيظة الأخير.هذا الافتراض أعلاه مرفوض شعبياً، وكل نظام عربي يعتقد أنه قادر على أن يعيد الشعب الفلسطيني إلى وصايته فهو نظام لا يعرف الشعب الفلسطيني.. وإذا ما فكر نظام عربي ما بالمشاركة في هذه المؤامرة، فإنه سيحكم على نفسه بالانهيار، فمجرد محاولة هذه الأنظمة لأن تمد نفوذها على الشعب الفلسطيني، وهي التي تعاني أصلاً أزمة شرعية داخلية، فهذا هو الانتحار السياسي بعينه. فلا الشعب المصري ولا الأردني سيقبلان أن يشاركا في هذه المؤامرة، كما أن أهل غزة والضفة لن يقبلوا ذلك، فضلاً عن الرفض الشعبي العربي لهذا الاحتمال.

ومن جهة أخرى هناك قرارات دولية تعترف بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، وهي قرارات لا تسقط بالتقادم، كالقرار رقم 181 لعام ،1947 وهو القرار الدولي الوحيد الذي نص على إقامة (دولتين في فلسطين)، واحدة فلسطينية والثانية إسرائيلية. والقرار رقم 194 الذي نص على حق اللاجئين في العودة إلى مدنهم وقراهم التي هجّروا منها عام ،1948 وقرارات أخرى بشأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وفوق ترابه الوطني.

وفي ظل إنهاء حالة الانقسام وفرص العودة إلى المقاومة الشعبية والمسلحة، وتراجع فرص التسوية العادلة، وعدم قدرة أي فصيل أو جماعة فلسطينية على التفريط بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب، وكذلك فشل مشاريع الوصاية على الفلسطينيين، فإن مصير القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة، سيعتمد على قدرة فصائل العمل الوطني والنخبة السياسية على تجاوز الخلافات، وعلى التوصل إلى مصالحة جادة في إطار مشروع وطني قادر على التعامل مع الشأن الإقليمي والدولي ضمن مشروع سلام لا يتعارض مع الحق في المقاومة التي كفلتها الشرعية الدولية.

ويبقى السؤال المركزي وهو: كيفية الخروج من حالة الانقسام؟ والاعتقاد السائد هو ضرورة تجاوز المحاولات السابقة التي تمت على خلفية التوفيق بين حركتي فتح وحماس فحسب، فالأمر ينبغي أن لا يكون محصوراً بينهما، بل يجب أن يكون هناك حوار وطني شامل، يضم الفعاليات والقوى الفاعلة في المجتمع، من أجل الوصول إلى استراتيجية عمل وطني مشترك، والعودة إلى أوّليات الشعب الفلسطيني، باعتبار التمثيل واحداً وتعبر عنه (م.ت.ف)، والبوصلة هي التوجه ضد الاحتلال، وانتزاع حق تقرير المصير.. وكل ما عدا ذلك هو تفاصيل.

إن مقاومة الاحتلال حق مشروع، كما أن المفاوضات لها أسسها، ومرجعيتها قرارات الشرعية الدولية، وكل ذلك يتوقف على إنجاز الوحدة الوطنية، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، وتصحيح العلاقات مع حلفاء الشعب الفلسطيني وداعمي مقاومته وممانعته وتمسكه بحقوقه المشروعة.

العدد 1183 - 23/01/2026