ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى
كانت روسيا القيصرية في بداية القرن السابق قوة اقتصادية ذات بنية اقتصادية واجتماعية معقدة، تتميز بسيطرة الإقطاع في مجال الفلاحة، والرأسمال الأجنبي في مجال الصناعة والاستثمارات، وتعدد القوميات. نهجت روسية آنذاك سياسة التوسع على حساب البلدان المجاورة. لكن انهزامها أمام اليابان في 1905 شكل بداية تدهور أوضاعها الداخلية، التي تأزمت بدخولها الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول الوفاق. وخلال الحرب عرفت انقلاباً تاريخياً بقيام الثورة البلشفية في 1917 بقيادة لينين، الذي نهج سياسة مرحلية لتطبيق الاشتراكية، وتمثلت أسباب الثورة الروسية في: تدهور الأوضاع الداخلية: فقد كانت روسيا قبل الثورة بلداً فلاحياً يسوده النظام الإقطاعي. وكان معظم السكان في البوادي 85%، ومعظم الأراضي الزراعية تحت سيطرة قلة قليلة من الملاك الكبار(الكولاك، النبلاء، رجال الدين). ومع ارتفاع عدد السكان ازداد بؤس الفلاحين، وأدت بداية التصنيع في البلاد إلى ظهور طبقة عمالية فقيرة. فالنظام القيصري لم يوفر ظروفاً جيدة للعمال الذين كان عددهم يفوق 5,4 ملايين عامل، مما زاد في عدد الساخطين على أوضاعهم المتمثلة في ضعف الأجور وكثرة ساعات العمل (من11 إلى13 ساعة في اليوم)، وبدأ استخدام الأطفال والنساء من طرف أرباب العمل. أما بالنسبة إلى السلطة المركزية، فقد كان القيصر نيكولا الثاني ضعيف الشخصية متردداً في اتخاذ القرارات تحت تأثير زوجته المرتبطة ب (راسبوتين) أحد المشعوذين اليهود. وكان القيصر يعيش في وسط مغلق بعيداً عن الشعب، مما أدى إلى ظهور معارضة يتزعمها البرجوازيون الليبراليون المرتبطون بالرأسمال الأجنبي. ويطالبون بنظام ديموقراطي كالنظام الإنجليزي، ثم الثوريون بزعامة لينين منذ 1903، والذين انقسموا في 1912 إلى المونشفيك (الأقلية) والبولشفيك (الأغلبية) داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
أما السبب الثاني فكان: آثار الحرب العالمية الأولى: إذ ساهمت في خطورة الوضع، خصوصاً أن روسيا لم تكن لها إمكانات عسكرية كافية لمواصلة الحرب. لأنها كانت عاجزة عن تموين جيوشها وتجهيزهم بالأسلحة الحديثة وتأطيرهم عسكرياً. وقد تم حُشِدَ الملايين من الفلاحين الذين لا يرغبون في الحرب بل يودون الانسحاب منها، بعدما فقدوا الثقة في قياداتهم العليا، عندما انقطع تزويدهم بالمؤن والذخيرة. وسببت الحرب أزمة اقتصادية أثرت على السكان، فارتفعت أسعار المواد الغذائية من3 إلى8 أضعاف. وظهرت المجاعة في المدن عندما أصبحت المواد الغذائية غير كافية وتباع بالبطاقات. كان هدف القيصر من الدخول في الحرب العالمية الأولى، هو تنفيذ المعاهدات المبرمة مع حلفائه وتشكيل جبهة داخلية موحدة، وتحويل أنظار السكان عن الصراعات والمشاكل الداخلية إلى الخارج. لكن النتيجة انعكست وعجلت الحرب بسقوطه.مرت الثورة البلشفية بمرحلتين ووضعت حداً لحكم استبدادي حل محله نظام اشتراكي.
المرحلة الأولى تمثلت في قيام ثورة شباط 1917 وتأسيس حكومة برجوازية. وكان السبب المباشر لقيام هذه الثورة هو انخفاض الإنتاج الفلاحي وانتشار المجاعة، فقام السكان بمظاهرات في العاصمة بطرسبرغ، مطالبين بالخبز. وانضم إليهم الجنود الذين رفضوا إطلاق النار. وانطلقت المظاهرات في المدن الأخرى، فانتشرت الثورة، مما دفع القيصر إلى التنازل عن العرش. وبذلك انتهى حكم أسرة رومانوف. وتكونت حكومة مؤقتة برجوازية برئاسة الأمير لفوف، مثل فيها كرينسكي وزارة العدل ثم الدفاع، ثم أصبح رئيساً للحكومة الثانية. واتخذت الحكومة البرجوازية بعض التدابير الليبرالية(حماية الملكية الخاصة، عدم إلغاء النظام القيصري رسمياً، عدم الاهتمام بأوضاع العمال والفلاحين، مواصلة الحرب). وبذلك لم تأت بأية حلول للأزمة، مما جعل الثورة تمر إلى المرحلة الثانية والتي تمثلت في قيام ثورة أكتوبر/ تشرين الأول 1917 الاشتراكية. في الوقت الذي بذلت فيه الحكومة البرجوازية جهودها دون نتيجة، عاد قادة البلاشفة من المنفى وعلى رأسهم لينين. وقاموا بنشر أفكارهم وتوعية الاشتراكيين المعتدلين الذين كانوا يسيطرون على مجالس السوفيات، بواسطة جريدة برافدا (الحقيقة) المؤسسة في1912. واستطاعوا تكوين الجيش الأحمر، ونشر أفكارهم بين ضباط البحرية. وقاموا بأول محاولة للإطاحة بالحكومة المؤقتة، لكنها فشلت لسوء التنظيم والتخطيط، ففر لينين إلى فنلندا. وبعد عودته وضع خطة محكمة للثورة المسلحة، فاستطاع الجيش الأحمر احتلال جميع المناطق المهمة بالعاصمة بتروغراد صباح يوم 26 تشرين ا لأول/ أكتوبر (8 تشرين الثاني/ نوفمبر). وفي اليوم نفسه تأسست حكومة جديدة برئاسة لينين، مثل فيها تروتسكي وزارة الدفاع، وكلّف ستالين بشؤون القوميات. وبذلك نجحت الثورة الاشتراكية التي جرى الدفاع عنها خلال الحرب الأهلية. واستمرت أكثر من سبعين عاماً قدمت خلالها كثيراً من الإنجازات للشعب السوفييتي، كما وقعت بأخطاء… برسم ثورات المستقبل الاشتراكية.
هذه ثورة من الثورات التاريخية التي يمكن أن يستفاد من دروسها تاريخياً، من التجرية والنتائج وأن نقارن بينها وبين ما يجري في عالمنا العربي.