في الذكرى الـ65 للنكبة: القدس… من أوّليات المقاومة والانتفاضة المتجددة
كما كل عام في الخامس عشر من أيار، أحيا الفلسطينيون في الوطن والشتات، الذكرى ال65 للنكبة، حاملين أعلام فلسطين ومفاتيح العودة، فيما أطلقت صافرة الحداد عند منتصف يوم 15/5/2013 لمدة 65 ثانية.
ووقعت اشتباكات في مناطق التماس مع جنود الاحتلال، والتقت جميع مكونات الشعب الفلسطينية على التمسك بحق العودة إلى الديار والممتلكات التي هُجّروا منها عام ،1948 وعلى حق تقرير المصير وإقامة الدولة السيادية على حدود عام 1967. وحمل المتظاهرون أعلاماً فلسطينية ومفاتيح العودة، إضافة إلى الفؤوس في المسيرة التي خرجت من بلدة العيزرية المجاورة لمدينة القدس.. وتمكنوا من فتح ثغرة في الجدار العنصري الذي أقامته سلطات الاحتلال لفصل مدينة القدس عن محيطها الجغرافي والوطني.
سياسة الضم والتهويد العنصرية
في أوائل القرن الحالي أعلنت حكومة شارون نيتها تطبيق فكرة زعيم (حركة حيروت) التي أصبحت لاحقاً حزب الليكود – زئيف جابوتنسكي التي طرحها في عام 1923 وسماها في ذلك الحين (الجدار الحديدي) بين اليهود والعرب.. وبدأ العمل ببنائه في عام ،2002 وباكتمال بناء الجدار بطول 850 كم، سيكتمل عزل المدن الفلسطينية داخل الضفة الغربية بعضها عن بعض.. كما قام الاحتلال ببناء ما يسمى (حاضن القدس) وهو جدار بطول 170 كم، هدفه عزل القدس عن بقية الأراضي الفلسطينية، والهدف منه إيجاد واقع جديد وتعزيز مخطط الاحتلال بضم مدينة القدس (الكاملة والموحدة) باعتبارها عاصمة لدولته. وقد أدى بناء جدار الضم والتهويد العنصري داخل القدس وحولها إلى عزل أحياء فلسطينية كاملة يقطنها مقدسيون مثل (الرام وبيرنبالا وضاحية البريد وغيرها)، وهي أحياء يقدر عدد المقدسيين الذين يقطنونها بنحو 150 ألف نسمة، وهم مهددون بسحب بطاقات إقامتهم منهم. علاوة على ذلك أنشأ الاحتلال أربعة عشر (معبراً) وحاجزاً ونقطة تفتيش في جدار الضم والتهويد العنصري حول مدينة القدس، حيث يتم اتخاذ إجراءات متنوعة ضد عابري بوابات المعابر ونقاط التفتيش من الفلسطينيين، وبضمن ذلك حجزهم أوقاتاً طويلة بشكل مهين.
تشكل هذه الممارسات غيضاً من فيض الإجراءات المتنوعة والقاسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بوتيرة متسارعة ضد المقدسيين الفلسطينيين ومدينتهم، والتي يحاول بواسطتها أن يسابق الزمن بإيجاد حقائق على الأرض، أهمها تفريغ المدينة من أكبر عدد ممكن من المقدسيين، وتهويد أكبر قدر ممكن من المواقع، وبضمنها المواقع الدينية الإسلامية والمسيحية، من أجل كسر أي إرادة تسعى لإعادة الأراضي المحتلة إلى أصحابها الأصليين. لقد تمكن الاحتلال من تحقيق كثير من (الإنجازات) بعد توقيع اتفاق أوسلو، وانطلاق المفاوضات العبثية، كما نجح إلى حد كبير في تغليب روايته الزائفة، وحتى المصطلحات والمفردات التي يطلقها، على الرواية الأصلية، يساعده في ذلك ضعف الأداء العربي والفلسطيني الرسمي، مع دعم غربي واضح، في ظل غياب الفعل العربي الإسلامي الحاسم.
من أعماق التاريخ إلى الممارسة اليومية
لا تبدأ يوميات الفلسطيني في مدينة القدس إلا بالحفريات والجرافات التي تبحث عن الخرافات والأساطير لإثبات ما كتب في التوراة، وكأن التوراة كتاب تاريخ يحمل أدلة ثاقبة تؤكد موقع الأفراد بحسب انتماءاتهم.. وعندما ينظر المقدسي حوله أو يبحث عن أيامه بين ضجيج الحفريات في البلدة القديمة، لا يرى إلا جنوداً مدججين بكامل أسلحتهم، يطبقون في أفعالهم الإرهابية، منهجيات تَرَبّوا عليها، وبدت في أذهانهم أمور توراتية واضحة لا لبس فيها.. كأن 3000 سنة جمدت، كي تستعاد اليوم، شاطبة كيان الفلسطيني الكنعاني وتاريخه وحضارته.. مغالطة لا منطقية لكنها سوقت للعالم بمنهاج أيديولوجي مؤزر بعنصريته. إن هذه الأيديولوجيا النازية المضمون، قلبت حياة المواطن المقدسي رأساً على عقب، جاعلة منه كائناً محجوباً، ومجرد عابر لا حق له في البقاء أو الحياة.
إن تسويق الأساطير الزائفة ومصادرة الأرض والمسكن، وهدم البيت وتشتيت أهله وقتلهم، أمور كلها تجري في فلسطين، وفي يوميات القدس بدقائقها، وعلى أنقاض حياة السكان الأصليين. ومن خلال الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية، ينتج أولاً خطاب ثم سياسة كولونيالية، فخطوات وإجراءات وأنظمة تبعد من تشاء، وتعطي حق الإقامة والبناء لمن تشاء، وتشطب وتقصي وتعتقل من تشاء، لتولد واقعاً جديداً يقرأ التاريخ ويكتبه لخدمته، ويلعب بالجغرافيا حتى يشوه التاريخ، فلا يبقى إلا تأكيد حقوق اليهود وحدهم.
فلو نظرنا إلى تأثير هذه الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية، بالنظر إلى الديموغرافيا، لرأينا أن السياسة الإسرائيلية إنما تعمل بسياسات العزل والفصل والإلغاء. ففي مخطط سنة 2010 الذي يسمى E1 وسعت القدس لتبدأ باللطرون وتنتهي ببيت لحم، ولتضم عدداً أكبر من المستوطنين اليهود، بحيث يصبح الفلسطينيون أقلية في قدسهم.. ومع أن هذا المخطط لا يزال موضع جدل في إسرائيل، إلا أنه ينفذ فعلياً في جميع خطوات المحتل اليومية. كما يتم تخطيط (سكة حديد) تربط المستوطنات بالقدس، وتفصل أهالي القدس الفلسطينيين بعضهم عن بعض.. فضلاً عن أن الاحتلال وافق في نيسان 2013 على مخطط لإقامة 1600 وحدة سكنية لليهود وحدهم، وغيرها من القرارات المعروفة وغير المعروفة.. فتوسيع القدس يتم من خلال ديباجة (إلهية) غير قابلة للمناقشة، ديباجة تجعل مناطق تبعد عشرات الكيلومترات عن القدس (جزءاً لا يتجزأ منها) وتقلب مكانها ومكانتها إلى مكانة (إلهية حدثتنا عنها التوراة)، مستخدمة الأساطير الزائفة التي تجيز تعرية الفلسطيني من حقه في البقاء.
إن جرائم تسخير الديباجة الدينية لإلغاء حق الإنسان المقدسي بواسطة تهويد القدس، والتلاعب بجغرافيتها لإلغاء تاريخ الفلسطيني، هذه الجرائم شوهت الرؤية الإنسانية والحضارية، لدرجة فقدان البوصلة الأخلاقية والعلمية لحق المقهورين في رفض آليات إلغائهم المنمقة بمفردات دينية.. فكيف لنا أن نحاور (منطقاً إلهياً) يلغي وجود الفلسطيني؟ إن اختزال الإنسان بالأحادية الطرفية يهدف إلى إلغائه في الواقع، وتكريس واقع جديد لا يفعل إلا من خلال آليات إجرائية وإرادوية تعمل على تهويد القدس وأسرلتها. وهذه الآليات لا تُضيّق على الإنسان الفلسطيني وتطرده فحسب، بل توسع حدود المدينة أيضاً، كي تحتكر مساحات أكبر من الأرض، فتصادر الأراضي وتبني المستوطنات وتهجّر السكان المقدسيين بمصادرة هوياتهم، كما تقوي شوكة قوانين عنصرية تمنع الفلسطيني من الوجود القانوني في البيت الذي ولد فيه، بذريعة أنه موجود (غير قانون) في إسرائيل.
نهوض المقاومة والانتفاضة وتجددهما
على الرغم من استراتيجيا السياسة الإسرائيلية الهمجية في القدس، فإن المجابهات اليومية تولد مبادرات عفوية غير مدروسة ومركبة، تشير إلى سعي الفلسطيني الدائم للتسلل خفية وبلا ضجيج إلى شوارع القدس، بهدف فتح مجالات وإمكانات جديدة تزخر بقوة المقاومة اليومية.
إن معيشة الفلسطيني في سياق ونظام استيطاني عنصري محتل، وداخل زمان ومكان معسكرين، تخلق مهارات مقاومة تولد أيضاً صراعاً مفتوحاً بشأن التوقعات. فعند نكبة عام1948 عانت العائلات الفلسطينية الأمرّين بسبب الشتات والخنق الاقتصادي وتبديد الهوية الوطنية. واستخدمت إسرائيل أساليب ترويع وإرهاب متعددة. ولو حاورنا الأطفال والرجال والنساء الذين شردوا إلى قطاع غزة أو الذين عانوا حياة اللجوء في مخيم جنين، أو الذين هجروا إلى سورية ولبنان، وسكنوا مخيمات اليرموك وعين الحلوة وصبرا وشاتيلا، ولو لاحقنا ما حدث مع مهجري صفد وعكا ويافا واللد والرملة، ولو تابعنا كيف عاش الفلسطيني في بيته منفياً، لعلمنا أن ما يحدث في القدس من معاناة يومية، هو إعلان صريح أن النكبة مستمرة.
إن ما ندعو إليه هو المزيد من التعمق في فهم الحياة اليومية في القدس، وإلى تحليل اليوميات الفلسطينية، والكشف عن عدم جمودها وبلادتها، منذ النكبة الأولى حتى نكبة القدس.. لا سمح الله!
لكن على الرغم من هذه الهشاشة، فإن هناك منظومة عمل واضحة، فالاستيطان في أول بيت في سلوان، وسرقة البيوت غرفة غرفة في البلدة القديمة، ومصادرة (بلدية الاحتلال) للأراضي لمصلحة ما يسمى (تحسين الطرق) في القدس، وإلغاء خط باصات معين من بلدة معينة، كلها أمور تروي قصة الحياة اليومية للفلسطينيين.
إن سياسة الاحتلال التي تعمل على ضبط الحياة اليومية الفلسطينية، وممارسة السيطرة التي تدير وتوجه وتكبح وتبعثر، أو تلغي حياة الإنسان المقدسي، عملت لا على إحداث صمود يومي فحسب، بل على إنتاج إنسان في مكان وزمان محددين، يعيش لاوجوده في وجوده، ويعاني الأمرّين بسبب اللاوضوح والإرهاب الذي يشرعنه القانون الكولونيالي الصهيوني العنصري.
إن تفكيك سياسة الضبط الكولونيالية العنصرية التي تهيمن على الحياة اليومية للفلسطيني المقدسي، تساعدنا على فهم ديناميات السلطة الكولونيالية وحدودها، ويسمح بتحويل خرق المحظورات، إلى نظام من الممارسات والقيم، ويطرح فضاءات مقاومة وانتفاضة بديلة، ويتمسك بالمعاني التي يحاول الاحتلال القضاء عليها ويعطيها أبعاداً جديدة.