احذروا الطائفية السياسية في الدستور والقانون الانتخابي

الديمقراطية بمفهوم حكم الأكثرية وحكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة ممثليه والمساءلة والمحاسبة.. أو الطائفية السياسية، أو ما يسمى تجاوزاً الديمقراطية على النمط اللبناني، وغيرها من أشكال تكون مجالاً للنقاش عندما تشكَّل هيئة تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد، ولذلك لنبدأ بتسليط الضوء على هذا الموضوع ونعطيه حقه، كي يتمكن الشعب عند الاستفتاء على الدستور الجديد من تحديد موقفه ورأيه في نظام الحكم المطروح وشكل الدولة.

بدايةً الديمقراطية هي أهم أنظمة الحكم وأرقاها، وكلما ارتقت المجتمعات تتجه أكثر باتجاه ترسيخ مفاهيم الديمقراطية في حياتها وسلوكها. وفي المجتمعات التي تتألف من عدة مكونات بأحجام أو نسب متفاوتة، فإن الديمقراطية بمفهوم حكم الأكثرية تظل هي النظام الأرقى والمنشود ما دام الناس في هذه المجتمعات غير منقادين بفلسفة أو رؤية مكوّنهم الخاص المنتمين له، بل تحكمهم فكرة المواطنة والمساواة. ونحن في سورية إذا لم نكن قد وصلنا لأن نكون منقادين بفكرة المواطنة والمساواة، ومازال يتحكم بموقفنا تجاه المجتمع شيء من طائفيتنا أو قوميتنا أو قبليتنا، فإن أخطر شيء يواجه وصولنا إلى فكرة المواطنة والانصهار في المجتمع، هو ترسيخ تلك المشاعر الطائفية والقومية والقبلية من خلال نظام سياسي (المحاصصة السياسية أو شكل نظام الحكم الطائفي في لبنان) فيدفع بنا هذا النظام السياسي. إلى التقوقع والحد من تأثيرنا في المجتمع. ففي نظام كهذا يتقوقع المكون الأكبر في المجتمع على ذاته، ويصبح كل من مكونات المجتمع ينشد مصلحته الشخصية. فتتراجع المصلحة العليا للوطن، حيث الحجم الصغير نسبياً للأقليات، فيتلاشى دورها وتأثيرها تدريجياً، خاصة أنه في السياسة يكون لكل رجل ثمن لاسيما إذا كان قليل التمثيل.

       لذلك لا خير في المحاصصة في الدستور أو في قوانين الانتخاب، بل يجب محاربتها لأنها ترسخ الانقسام بين الناس، وتقاوم وتعارض هدفنا في الانصهار الوطني. وصحيح أن الانتخاب وفق نظام الديمقراطية بمفهوم حكم الأكثرية قد يكون بدايةً بدافع ديني أو قومي، وربما يكون ذلك لدورة أو دورتين انتخابيتين، لكن هذا الدافع سينحسر تدريجياً بالعمل والتوعية والممارسة إلى أن ينتهي ويتلاشى من عقولنا. ويبقى الانتخاب بدافع مصلحة الوطن، وكل مرشح يقدم البرامج الأفضل. ونحن نستطيع الحد من سطوة الديمقراطية بالعمل على سن قانون انتخابي يحقق تمثيلاً أفضل وأعدل من خلال تنافس شريف ونزيه. وهذا يحقق الانتقال بنا خطوة أو خطوات إلى الأمام، بدلاً من ترسيخ واقع سييء وإعادتنا خطوة أو خطوات إلى الوراء. وهذا القانون الانتخابي الذي أعتقد أننا يجب أن نروّج له، يعتمد على أن كل محافظة هي دائرة واحدة، ولا يحق للناخب أن ينتخب أكثر من ثلاثة مرشحين فيها، أو أن تتكون المحافظة من مجموعة دوائر يساوي عدد المقاعد المخصص لها، وكل ناخب ينتخب مرشحاً واحداً فقط. وأي من الطريقتين يحقق توازناً في المنافسة بين الأحزاب الكبيرة والصغيرة والمستقلين مجتمعين، ولكلتا الطريقتين عيب يكاد يكون وحيداً، وهو صعوبة فرز الأصوات، وستقاومه الأحزاب الكبيرة لأنه يكشف مدى شعبيتها.

أخيراً إن هذا الموضوع يستحق طرحه بكثافة في الإعلام ليحقق التوعية والمعرفة المطلوبة…

العدد 1182 - 18/01/2026