قدكٍ الميّاس… يا حلب!

استطاع الفنان السوري عبد الكريم حمدان بوقفته على مسرح (آراب آيدل) ليلة السبت الماضي أن يجمع السوريين كلهم على اختلاف وجهات نظرهم معارضة وموالاة وما بينهم،  بمشاعر موحدة عندما غنى لمدينته حلب فأبكى المشاهدين والحضور بمواله الحزين المعبّر عن حالة  حلب الشهباء وسورية كلها، وما يحلُّ فيها من قتل وخراب ودمار.

عبد الكريم حمدان الذي رفض أن يوصف بحسب مدينته أو انتمائه السياسي فهو يعدّ نفسه سورياً وحسب، ويرى في الفن رسالة أسمى كلغة للحوار والتواصل بين الشعوب والفئات المختلفة.

استطاع بالكلمة واللحن وصدق الإحساس أن يثبت أن للكلمة صدى أقوى من السلاح، وأن لغة الحب والمشاعر هي اللغة التي يجب أن تطغى، وخاصة بعدما حلّ كل هذا الخراب في المدن والعائلات السورية التي هُجّرت من بيوتها ومن مدنها، ما اضطر بعضها للجوء إلى خارج الوطن، نتيجة بسط السلاح سيطرته على الأرض السورية و على العقول والقلوب. بينما ابتعدت لغة الحب والتسامح التي هي أساس العلاقات الإنسانية. فعندما صعد عبد الكريم حمدان إلى المسرح وغنى مواله لملم كل جراح السوريين في بوتقة واحدة، على اختلافهم. فالخراب  لحق بالجميع والخسائر نالت من كل السوريين. فلم تكن فقط خسائر مادية وجسدية فحسب بل خسائر روحية. الذكريات والأحلام التي ضاعت نتيجة التكبّر والاستعلاء وتغذية تجار الدم والسلاح، لكل ذلك العراك الذي لا يريدون له نهاية، في لحظة وقوفه سكت السلاح، والموسيقا تكلّمت وقالت ما تريده، رافعةً يدها لتؤكد أن الكلمة هي القادرة على التغيير. وأن رائحة البارود والدم التي طغت طيلة الأشهر الماضية عليها أن تزول لتحلَّ مكانها رائحة الياسمين والقدود الحلبية والمواويل. وليكن كل ما مرّ سابقاً تجربة قاسية، لتثبت الأيام القادمة أن  الشعب السوري هو شعبٌ حي قادر على تغيير تاريخه ومستقبله بطريقته وبيده هو، وبإرادته وبلغته الغنية التي تحمل بين طياتها المحبة والتسامح.. ربما يكون ما يحتاجه الشعب السوري هو لحظة صمت وتفكير بكل ما يجري وإعادة صياغته، لتتوضح أكثر ماهية الصراعات وكيفية حلولها، فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها، والإنصاف بين كل الناس لا بديل له، والاعتراف بالأخطاء أساس لا يمكن تجاهله إذا أردنا أن ننقذ بلدنا وندفعه نحو الأفضل.

 ليصمت السلاح قليلاً ولتبقَ الكلمة الصوت الأقوى على المسرح السوري، فكفى الشعب كل هذه الويلات والآلام.

العدد 1183 - 23/01/2026