خلايا نائمة أم أنها مجتمعات منسية؟!
تكررت عبارات خلايا إرهابية نائمة ضمن مجتمعات في مناطق مختلفة من سورية، خلايا تنامت وتكاثرت كوباء يعدي من حولها لتنشره في أمكنة جديدة، لتنشر الإرهاب والقتل أينما حلّت، متجاهلين في خضم توزيع المسميات أن تلك الخلايا ما هي إلا مجموعات من شباب سوريين كان يمكن أن يكونوا مواطنين فعّالين إيجابيين، بدلاً من أن يرتهنوا لأعمال إجرامية، متجاهلين أن هؤلاء ضحايا أولاً قبل أن يتحولوا إلى خارجين على القانون. وهنا نتحدث عن المناطق المهمّشة والأكثر فقراً في سورية والتي كثرت فيها مثل تلك الخلايا، متجاهلين ما أقرّه التقرير الوطني السوري عام 2008 الذي تنبأ بكارثة بشرية ستحل في سورية التي كانت تنام على فوهة بركان. وهنا عذراً من الإعلامي رفيق لطف الذي قال بأن السوريين كانوا يعيشون برفاهية مطلقة ينالون كل ما يريدونه بأبخس الأسعار!
كانت سورية إحدى الدول الأكثر تنامياً سكانياً لتصل إلى المراتب الأولى في العالم في تزايد عدد السكان. فقد يصل هذا العدد في عام 2050 إلى خمسين مليون نسمة إذا استمر معدّل التزايد نفسه. إن سورية تعاني شح الموارد الطبيعية بسبب الاستهلاك العشوائي الكبير، وخاصة المياه، هذا عدا التلوث البيئي الكارثي الذي يهدد صحة الإنسان ونموّه الطبيعي. يترافق ذلك مع المزيد من الفقر الذي يصل إلى الثلث ممن هم تحت معدل خط الفقر، ومنهم نسبة تحت خط الفقر الأدنى ممن يتناولون وجبة واحدة في اليوم. هذا مترافق طبعاً مع التوسع العمراني العشوائي غير المنتظم والذي يعني بيوتاً غير لائقة للسكن، فلا يصلها الكهرباء ولا الماء بطريقة مشروعة، وبالتالي لا تصلها الخدمات بصورة جيدة، أي لا مستوصفات ولا مدارس تقدم خدمات نوعية، وإن وجدت فهي ضمن الخدمات الأفقية غير النوعية، في ظل احتياجات لخدمات نوعية.
إن الحكومة لم تقصّر بالمؤتمرات ولا بورشات العمل ولا بالدراسات والبيانات التي تشجّع على تحديد النسل وتجديد المناهج الدراسية ودعمها، وكذلك نشر التوعية القانونية والجنسية وإعادة طريقة التفكير بإيجاد العمل المناسب بعيداً عن الصورة النمطية، وحماية الأطفال والنساء من العنف، فوضعت خططاً لحماية المرأة والطفل، وخاصة الأطفال المتسربين من المدارس والذين يعملون بالشارع، وكذلك الشباب العاطلين عن العمل والمسنين ورعايتهم والاهتمام بالصحة والتعليم بصورة أفضل. ووضعت إصبعها على الجرح في أماكن ومواضع كثيرة. لكنها في الحقيقة لم تطبّق ذلك على أرض الواقع بالطريقة نفسها التي خططت ونشرت لها. اكتشفت الحكومة الحقيقة وعملت لإصلاحها، لكن عملها كان حبراً على ورق، هذا الحبر لم يعمل على دعم هؤلاء الشباب ومساندتهم ودعم الأسر وحمايتها ليشعر الجميع بأنهم مواطنون لهم حقوق كي يقدموا واجبات وكي يشعروا بالانتماء إلى الوطن أولاً وقبل كل شيء، هذا الحبر لم يمنع من تشكيل عصابات تنتمي إلى شخص أو إلى تنظيم خارج إطار الدولة. هذا الحبر لم يمنع من ضياع البوصلة عن الانتماء الحقيقي للمواطن، لمن ينتمي ؟ هل لمن يقدم له المال؟ أم لمن يدعمه اجتماعياً ونفسياً؟ أم لمن يبث بذهنه أفكاراً لايوجد من يناقشها معه؟ المواطن لن يشعر بالانتماء دون كل هذا الدعم ودون أن يشعر بأنه مواطن له حقوق وكرامة في ظل عدالة قانونية لا تميّز بين شخص وآخر، في ظل إعلام صريح وجريء لا يهاب إلا ضميره..
الخلايا موجودة لكن للحكومات.. وللسياسات الاقتصادية والاجتماعية يداً في إيجادها، أقرَّتْ بذلك أم لم تقر، وكلنا مسؤول عن العمل لإيجاد وطن يتسع للجميع، يحمل هم كل مواطنيه، لأن الشعب وحده هو القادر على إنقاذ الوطن. لنسمِّ الأشياء بمسميات حقيقية ولنقف أمام أخطائنا علّنا ننقذ ما يمكن إنقاذه.