تربية الدواجن في خطر… هل من حلول حقيقية قبل فوات الأوان..؟!
كلنا يعلم أن الحالة التي وصلت إليها سورية بعد مضي أكثر من عامين على الأزمة التي تعصف بنا تتطلب منّا جميعاً، تلمّس العلاج الأسرع والأنجع منعاً لتدهور الوضع إلى مكان يصعب عنده التدخل، ويصبح المريض عاجزاً عن تقبّل العلاج، فيدخل في مرحلة موت سريري، لا سمح الله.
وإذا كان الهمّ الأمني هو من أكثر المشاكل التي تؤرّق المواطن وتقضّ مضجعه وتجعله يترقب المستقبل بكثير من التشاؤل، فإن الهمّ المعيشي لا يقلّ عن سابقه إذ بات القلق على مصير لقمة العيش هو هاجس المواطنين، خصوصاً أولئك الذين لا يملكون دخلاً يعادل الارتفاعات الجنونية في الأسعار التي لم تنفع الصرخات التي انطلقت من كل معدة وحنجرة في التدخل للحدّ من هذا الجنون في الأسعار.
وإذا كانت الخطط الاقتصادية السابقة التي جعلت أسعار معظم المواد محرّرة، وبالتالي فتحت الباب على مصراعيه وشرّعت للتاجر الجشِع التحكّم بمصير المواطن وباقتصاد البلاد، فإن من الضروري إعادة النظر ببعض القوانين والخطط الاقتصادية، مادمنا نجاهر ليل نهار بفساد تلك الخطط التي وضعتها الفرق الاقتصادية السابقة (ولا داعي للغوص في ذلك). ومادمنا نتحدث عن الخطط والقوانين ولقمة العيش والأسعار، فاسمحوا لي أن أعرّج قليلاً على بعض المشاكل والمعوقات التي يتعرض لها مربّو الدواجن في ظل الأزمة الراهنة، وبعد قرار الحكومة بوقف دعم هذا القطاع الحيوي.. إذ يرى العديد من أصحاب هذه المهنة التي يسمونها مهنة المتاعب، أن الظروف التي يعيشها البلد هذه الأيام قد فجّرت أزمات عديدة لم تقتصر على أسطوانة الغاز والمازوت، بل طالت بعض السلع الضرورية، وبضمنها الفروج!
العلف
لدى زيارتنا إحدى مطاحن العلف الواقعة في (كفريخا) التابعة لمنطقة (صافيتا)، التقينا مع السيد طالب ديب الذي تحدث إلينا عن مادة العلف واستيرادها وتحكّم المستورد بأسعارها. فأكد أن الدولة كانت تدعم المادة من خلال دعمها للمستورد، وذلك بتمويله بالقطع الأجنبي (الدولار) وفق تسعيرة الحكومة، لأن المستوردات سوف تمر عبر التخليص الجمركي حسب تسعيرة الدولة للدولار، ولكن الذي حدث أن بعض هؤلاء التجار كانوا يستفيدون من ذلك باستجرار المادة العلفية، سواء أكانت ذرة أو صويا أو شعيراً، ويطرحونها في السوق بسعر السوق السوداء للدولار.. وأعتقد أن هذا هو السبب في وقف الدعم. فالدولة كانت وما زالت تتحمل الكثير، ولكن على ما يبدو فإن جشع البعض قد جعلهم يفكرون فقط بما يدخل جيوبهم ويحقق لهم الأرباح الباهظة.. الآن المادة العلفية متوفرة وبشكل كبير، فالصوامع والمستودعات مليئة بالمواد العلفية، ولا يوجد أزمة استيراد (طبعاً تأكدنا من هذا الكلام بالاتصال مع مدير قسم الاستثمار في مرفأ طرطوس الأستاذ علي سليمان). وعند سؤاله عن الزيادة التي طرأت على سعر الطن الواحد من العلف، أكد لنا السيد طالب أن سعر الطن الواحد في آذار من العام الماضي كان نحو 26 ألف ليرة، في حين أنها الآن ونحن في آذار تبلغ 55 ألف ليرة. المستورد هو الحوت الأكبر، في حين يتأثر كل من المربي والموزّع بتذبذب الأسعار وبوقف دعم الدولة.
تبدأ مشاكل مصلحة الفروج من الصوص، ثم تأمين العلف وتذبذب أسعاره كما ذكرنا، ثم نفقات التدفئة والأدوية. إذا كان سعر الصوص وعمره ساعات 65-70 ليرة، وثمن كيلو العلف 55 ليرة، ويحتاج الصوص إلى 4 كيلوات من العلف ليصبح صالحاً للبيع، وسعر كيس النشارة نحو 600 ليرة، وبحدود 20-25 ليرة أدوية التي تخضع أيضاً لعدم الرقابة، أي أن الفروج كي يصبح جاهزاً للبيع بوزن كيلوغرامين، يكلف نحو 320 ليرة سورية دون أجرة عمال.. فهل يعقل هذا؟!
الفروج مادة استراتيجية، تشكل الدرجة الثانية بالنسبة للأمن الغذائي في سورية، لأن إنتاجيتنا من بيض المادة أو لحم الفروج عالية جداً، برغم وجود شائعة أو معلومة خاطئة تقول بأن الفروج يعطى هرمون، وهذا خاطئ تماماً، لأن سعر الهرمون مرتفع جداً، ولا أعتقد أن المربي بحاجة لزيادة خساراته.
على وزارة الزراعة مراقبة استيراد المواد العلفية وتحديد الأسعار ونشرها عبر وسائل الإعلام، وهنا اسمح لي بأن أسجل ملاحظة على دور وسائل الإعلام، خصوصاً في هذه المرحلة وحتى تسعير مادة الفروج وثباتها، مع علمي بأنها مواد محررة، ولكن يجب وضع ضوابط لعملية تحرير المواد.
مشاكل التدفئة
وفيما يتعلق بهذه المهنة، فالمربي واقع بين متغيرات فصلي الشتاء والصيف، وبهذا الخصوص أكد عدد ممن التقينا بهم أن فصل الشتاء له أعباؤه الخاصة ومشاكله المتعددة، فالبرد هو العدو الأول للصوص في هذا الفصل، وهذا يدعونا لتأمين التدفئة اللازمة له حفاظاً على عدم انتشار الأمراض الناتجة عن البرد. وفي هذا الخصوص يؤكد السيد محمد من منطقة الشيخ بدر أن أسعار الفحم انخفضت هذا العام، إذ بلغ سعر الكيلو الواحد 11ليرة، في حين كان في العام الماضي بحدود 16 ليرة نتيجة للقص الجائر للأشجار. وقد عانى معظم مربي الدواجن نقصاً في مادة المازوت، ولجؤوا أحياناً إلى مدافئ الحطب بعد أن فشلوا في تأمين مادة المازوت. مع الأخذ بالحسبان مشاكل الفحم الحجري وأثره على المربي والعمال والبيئة. ولكن لا يوجد حل آخر مادامت الكازيات لا تخضع لأي رقابة أو ضمير!
أمّا في فصل الصيف فلا حاجة للمازوت أو الفحم إذ يكون الخوف من ارتفاع درجات الحرارة وانتشار العديد من الأمراض بسبب ذلك!
قلق مستمر
وعن واقع الحال في المداجن التقينا عدداً من مربي الدواجن، الذين أعربوا عن استغرابهم من قرار الحكومة بوقف الدعم لاستيراد العلف، وأكدوا ضرورة وجود الدولة في السوق، وأن تكون منافسة للتجار بواسطة وجود المادة العلفية ومستلزمات التربية في مؤسسات الأعلاف، كي لا يبقى التجار الكبار تحكمون بكل شاردة وواردة في هذه المهنة. السيد أبو علي نجم، وهو من مربي الفروج في إحدى قرى منطقة الدريكيش، ويملك مدجنة طاقتها الإنتاجية نحو 7000 صوص، قال إن المشكلة ناتجة عن كون معظم مستلزمات تربية الدواجن تستورد إلى القطر من دول أخرى، وقد تأثر ذلك بالعقوبات التي فرضت علينا.. وأيضاً بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وعدم وجود ضوابط مالية من الحكومة لهذا التذبذب. أضف إلى ذلك جشع بعض التجار وتحكّمهم بالسوق.
فمثلاً كان سعر الطن الواحد من العلف العام الماضي مثل هذه الأيام تقريباً 26 ألف ليرة سورية، أما الآن ونحن في النصف الثاني من آذار فهو بحدود 55 ألف ليرة سورية !. المربي يعيش حالة قلق دائم لأنه لا يعلم تحت أي مطرقة سيكون (تاجر الأعلاف، منتِج الصوص، السيولة، تحكم أصحاب المسالخ بزمن استجرار الفروج.. إلخ). يجب تنظيم هذه المهنة وتقديم الدعم الحقيقي للمربين وتشجيع القطاع الخاص لإقامة المسالخ على مستوى المحافظات، وتأمين المجمدات اللازمة لتلبية حاجة السوق من الفروج المحلي، وعدم إغراق السوق بالفروج المجمد المستورد، لأن مثل هذه الخطوة ستراكم أزمة العاطلين عن العمل، إذ إن أكثر من مليون ونصف مليون عامل يعتاشون من ممارسة هذه المهنة.
مشكلات الأمراض والمعالجة
تحدث الطبيب البيطري جمال سليمان، وهو صاحب صيدلية زراعية في الدريكيش، عن أهم المشكلات التي تعترض مربي الدواجن وعن طرق المعالجة قائلاً: إن أحد أسباب ثباتنا وصمودنا في الهجمة التي تعرضنا لها مؤخراً هو الأمن الغذائي في سورية، فنحن نعتمد في كثير من غذائنا على المنتج المحلي، ومادة الفروج باتت أساسية في عملية التغذية بعد أن توسعت وازدهرت. لكن هناك جملة من الهموم التي تعترض مربي الدواجن. فالأمراض العديدة التي قد تصيب الصوص في مراحل نموه الأولى كثيرة ومتعددة لكن يمكننا السيطرة عليها بتأمين الشروط الصحية لعملية التربية. فهذه الأمراض يجب أن تتوفر لها بيئة مناسبة كي تظهر وتتفاقم، وأعني بذلك الشروط التي يربّى فيها الفروج.
وهنا لابد من التطرّق لأمر هو في غاية الخطورة – يضيف الدكتور جمال – وهو موضوع الثقافة المهنية، فالمربي في أكثر الحالات يحتاج إلى ثقافة وحملات من التوعية لتلافي جملة من المشاكل التي قد تعترضه بقليل من الخبرة والاحتياطات.
تثقيف العاملين في هذا المجال ضرورية جداً، فلا بد من معالجة الجهل والفوضى التي تعيشها هذه المهنة. والممول يتمنى أن يبقى المربي جاهلاً، لأن المموّل الأساسي همّه الربح فقط في كثير من الأوقات، وهذا طبعاً يجعل مربي الفروج تحت سيطرته الدائمة!
الفروج كائن حي حساس جداً للمرض، ويحتاج إلى كثير من العناية والاهتمام.
وقد عدّد الدكتور جمال الأمراض التي يصاب بها الفروج، مبيناً أن هناك ثلاثة أمور يجب أن تتحقق ليتم الوباء، وهي الكائن الحي القابل للإصابة والمسبب والبيئة. وأهم مرض فتاك في عالم الدواجن هو ما يدعى ( نيوكاسل) نسبة لمدينة نيوكاسل البريطانية، وهو ما يدعونه في العامية (الوجعة).. وهناك مرض آخر يدعى (البرونشيت)، وتعني هذه الكلمة باللاتينية التهاب القصبات، وهو ما يدعوه البعض (شبه طاعون الدجاج).. وهناك أمراض أخرى وليدة المدجنة وناتجة عن سوء التصميم أو التهوية أو التدفئة أيضاً، وهذه الأمراض يستطيع المربي بثقافته المهنية التي ذكرناها أن يتغلب عليها. وقد تمنّى على الدولة الامتناع عن استيراد الفروج المجمد، وتشجيع التربية، والدخول على خط الأزمة منعاً للاحتكار، وأكد ضرورة تصنيف الفروج لينال المربي الجيد المثقف والمهتم ثمرة تعبه وجهده.
مقترحات
أكد بعض من التقينا بهم ضرورة وجود نقابة تنظّم المهنة، والعمل على نشر الوعي الضروري للمربي، ويتم ذلك بحملات توعية ومحاضرات، وإحداث مسالخ (مذابح) في المنطقة الساحلية وبرّادات، لأن نقل الفروج حياً إلى المحافظات قد تتعرّض لجملة من المشاكل والأخطار، وزيادة مخصصات التدفئة في فصل الشتاء، وتأمين المازوت اللازم! ومن جهة أخرى ضرورة أن تعود الحكومة وتضع يدها على العلف والأدوية، وتضبط حركة السوق، وتمنع الاحتكار وتحكّم بعض المتنفذين بالسعر، رأفة بالبلاد والعباد.