الفوضى الهدامة واستيلاد شرق أوسط جديد

إذا كان الوطن العربي تابعاً على مدى قرون أربعة للإمبراطورية العثمانية (1516-1918)، فما من شك بأن إعادة تقسيم أقاليمه بين القوى الاستعمارية الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، قد تم بناء على اتفاقية (سايكس بيكو) بين فرنسا وإنكلترا طيلة القرن العشرين حتى يومنا هذا.. لكن تعديلاً خطيراً أدخله الاستعمار البريطاني بالذات مدعوماً بالقوى الأساسية في المجتمع الدولي على هذه الخريطة، عندما نجح في تبديل اسمها من (المنطقة العربية) إلى (الشرق الأوسط)، مع إضافة كل من تركيا وإيران إليها، وقد تمثل هذا التعديل بإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية، وتشريد شعبها في أواسط القرن العشرين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ومنذ إنشاء هذا الكيان كامتداد لقوى الاستعمار العالمي في هذه المنطقة ورأس حربة لها، وتصدّر الولايات المتحدة زعامة قوى الاستعمار الغربي، أصبح الهدف الاستراتيجي لهذه القوى وزعامتها هو تحويل المنطقة العربية المرسومة خريطتها على أساس اتفاقية (سايكس بيكو) من التبعية المباشرة أو غير المباشرة لنفوذ معسكر الاستعمار الغربي، إلى كيانات ثانوية محيطة بالكيان الإسرائيلي ومتصالحة، بل متحالفة معه حين وحيث أمكن ذلك.

هذا هو المعنى المباشر للعبارة التي تتردد منذ سنوات على لسان الناطقين باسم الخارجية الأمريكية، حين يتحدثون، مع كل عملية تدخل عنيف، عن اقتراب ميلاد الشرق الأوسط الجديد، ومهما ظهرت هذه العبارة على سطح السياسة الأمريكية أو اختفت، فإن الغرض من كل تحرك للولايات المتحدة والقوى الإقليمية التابعة لها في المنطقة، يبقى متصلاً بالوصول بالتحولات السياسية والديموغرافية في المنطقة إلى استيلاد (شرق أوسط جديد)، تكون دوله في خدمة الكيان الصهيوني وحمايته وتعزيز أمنه.

وإذا كان المعبرون عن الاستراتيجية الأمريكية يعتبرون منذ مدة أن ما تقوم به واشنطن في المنطقة تنفيذاً لأهدافها، هو نوع من (الفوضى الخلاقة)، فإن أي متابع لمراحل التدخل الأمريكي، ولاسيما منها الأخيرة، لا يرى في هذا التحرك إلا شكلاً من أشكال (الفوضى المدمرة)، التي لا تكتفي بتقسيمات (سايكس بيكو) التي رسمتها قوى الاستعمار الغربي القديم، بل تهدف إلى تحويل هذا التقسيم إلى مرحلة أدنى من التفكيك والتفتيت، عن طريق تهشيم البنى الاجتماعية لشعوب هذه المنطقة.. بمعنى آخر: تفتيت المفتت، ولكن هذه المرة ليس على أسس جغرافية، بل على أساس طائفي وعرقي ومذهبي. ولا شك في أن هذه الخلفية تفسر (التحالف الدولي) الذي أنشأته واشنطن تحت اسم محاربة (داعش).

لقد مضت أسابيع على إطلاق هذا التحالف الدولي عملياته العسكرية ضد تنظيم (داعش)، وهي التي يفترض أنها تعتمد على مجموع أقوى جيوش مسلحة في العالم، ولكن النتيجة الواضحة أن هذا القصف الجوي لا يؤثر جدياً على قوة داعش. وبالطبع لا تفسير منطقياً لذلك، سوى أن الولايات المتحدة لا تريد تدمير داعش، بل مجرد التعامل معها من الجو بطريقة تشبه آلة التحكم عن بعد بجهاز التلفزيون، وذلك لحصرها في إطار محدد وبحيث لا تفقد قوتها، بل تظل محتفظة بها، لتنفيذ الأغراض العليا للاستراتيجية الأمريكية وأهمها إقامة (الشرق الأوسط الجديد) المنهك والممزق والمفتت اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً، وينسجم ذلك بالضبط مع عمليات إطلاق واشنطن وإداراتها للفوضى المدمرة التي فشلت في تحقيق أهدافها في المحاولات السابقة، فاهتدت أخيراً إلى أسلوب دعم تفجير المجتمعات العربية من داخلها.

باختصار، يمكن القول على ضوء ما يجري من أحداث إن العرب يمرون بإحدى أخطر مراحل حياتهم في التاريخ الحديث، مرحلة تفوق بخطورتها تلك التي نشأ الكيان الصهيوني خلالها، خاصة في ضوء المحاولات التي تجري اليوم لتنصيبه سيداً لهذه المنطقة، بعد تهميشها وتفتيتها وتفكيك كل بناها المجتمعية والحضارية.

العدد 1140 - 22/01/2025