عمليات تلاعب بتوزيع أسطوانات الغاز بطرطوس!

أيوجد تهريب للغاز أم لا يوجد؟! أهناك استثمار بشع ووقح للأزمة أم لا يوجد؟!. هناك أسعار كاوية لجيوب من فرضت الأزمة عليهم أن يبحثوا عن أسطوانة الغاز بالفتيل كما يقولون أو لا يوجد!. أين الجهات المعنية والرقابية والمختصة من هذه العمليات؟!

منذ أشهر والمواطن السوري يرزح تحت جملة من المنغصات والهموم سواء فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي أم الأمني أم التعليمي أم المعيشي، ولكن هذا المواطن المعتّر كان على الدوام يقول (مو مشكلة بس تخلص هالأزمة ويبقى البلد)، ولكن على ما يبدو فإن للبعض رأياً آخر يتوقف على ما يجنونه بسبب الأحداث التي تعصف بالبلاد منذ أشهر عدة.

قاوم المواطن السوري نقصان مواد عديدة وأساسية في حياته اليومية، منها المازوت إذ تحمّل برد الشتاء هو وعائلته، تارة باستعمال المدافئ الكهربائية التي أرهقت فواتيرها كاهله، وتارة عبر مدافئ الغاز التي كانت أسطوانته تعيش حالاتها (العطرة) من حيث التسعيرة والتلاعب بها، وتارة من خلال فقدان بعض السلع والمواد الضرورية من الأسواق لحين رفع سعرها بشكل فاحش كالمتة، التي قفزت من 80 إلى 250 ليرة في الدريكيش، في محل لا يبعد عن شعبة تموين الدريكيش أكثر من خمسين متراً! ثم تتكدّس تلك المواد على الأرصفة دون حسيب أو رقيب من تموين أو من جمعيات وهمية كتلك التي تسمى حماية المستهلك، ولا أعلم على المستوى الشخصي مما تحمي هذه الجمعيات المستهلك!

لن أخوض كثيراً في تعداد المظاهر السلبية التي أفرزتها الأزمة على المستوى المحلي، فهي أكثر من أن تحصى، ولكن سأتحدث عما سمعناه من بعض المواطنين في محافظة طرطوس، وتحديداً في منطقة الدريكيش، عن عمليات تهريب لأسطوانات الغاز باتجاه محافظات أخرى من بينها حماة ودمشق! نعم دمشق..لا تستغربوا!

واقع مستودع المؤسسة بجانب المركز الثقافي بالدريكيش

كان هذا المستودع إضافة إلى مستودع آخر في ساحة الجامع هما المركزان اللذان يلجأ إليهما المواطن في أيام انحباس أسطوانات الغاز، وينتظر لساعات أو حتى لأيام، منذ الصباح الباكر لحجز دور كي يحصل على أسطوانة الغاز. فيما بعد شُكلت لجان (برغم من تلاعبها المحدود أحياناً) تقوم بتسجيل لوائح اسمية مقسّمة على دفعات، ويعلم المواطن دوره وفي أي دفعة، وبهذا الشكل يأتي في اليوم الذي يعلم أنه سيوزع الغاز فيه لدفعته، فيحمل أسطوانته ولسان حاله يقول: (اللهم نجّنا مما هو أعظم). وبعد الانفراجات في تأمين مادة الغاز اقتُرح قيام سيارة التوزيع بجولات ضمن أحياء المدينة لتوزيع الغاز بعد زيادة 25 ليرة للأسطوانة بشكل نظري. ولكن السائق الذي لا يوجد معه فراطة أبداً، كما حدث معي شخصياً لمرات عديدة، يتقاضى 50 ليرة زيادة! وعندما سألنا أمين شعبة حزب البعث العربي الاشتراكي بالدريكيش عن الحاجة لجولات السيارة ضمن المدينة، قال بأن المواطن يدفع 50 ليرة أجرة سيارة، ونحن بهذه العملية وفرناها عليه! ولا أعلم ما إذا كان يعلم بالزيادة التي يفرضها موزع الغاز المدعو (صالح) على كل أسطوانة أم لا!

الموزّع يتلاعب بالكميات الموزعة في المنطقة

لدى وجودي شخصياً في قرية عين الشمس التابعة لمحافظة حماة، كان هناك عدد من المواطنين الذين يحملون أسطواناتهم، ويتجمعون أمام أحد المحلات، وبفضولية تامة دخلت المحل وفوجئت بأن الرجل يبيع الأسطوانة بمبلغ 750 ليرة. انتظرت حتى انتهى وسألته عن السبب فقال لي حرفياً: أنا أشتريها من أحد الموزعين في الدريكيش، ويدعى صالح بمبلغ 550 ليرة، وأحياناً 600 ليرة، و700 أثناء الأزمة، وبالتالي يجب أن أربح عليها أيضاً 150 ليرة. وعندما أحسست بأنه قد تضايق من استفساراتي أخبرته أنني أستطيع تأمين عدد كبير من الأسطوانات، شريطة أن يقوم هو باستجرارها من الدريكيش إن أراد. فأبدى عدم رغبته في ذلك لسبب واحد، هو أنه يتعامل مع معتمدين وسيارات تكسي تقوم بإيصالها إلى محله. غادرتُ المحل وأنا أحمد الله على خروجي بسلام.

سائق يتباهى بالتهريب

وغير بعيد عن المحل المذكور، وبالقرب من  مفرق بيرة الجرد – عين الذهب، التقيت بشخص يملك سيارة تكسي عمومي، وقد توقف لتفقد حال الإطارات. فلفت نظري وجود عدد من أسطوانات الغاز ممددة في أرض السيارة وعلى المقاعد. فاستفسرت عن ذلك فقال بأنه يعمل بالغاز منذ بداية الأزمة تقريباً، فهو ينقل الأسطوانات إلى قرى مصياف ويبيعها هناك ب1200- 1500 ليرة، وهذا أفضل من شغل الطلبات كما قال. فسألته عن مصدر الأسطوانات فقال: بأنه يبحث عن الموزّع ويعطيه زيادة على كل جرة 100 ليرة، وهكذا يؤمن الأسطوانات بشكل دائم. وقال ممازحاً (فيه ناس استغنت من ورا الغاز.. وينك مانك بهالبلد!) قالها وهو (يقلّع) بسيارته وعلى وجهه ابتسامة بشعة.

أسطوانات الغاز تسافر عبر نقليات القدموس وباصات النقل

أحد المواطنين، ولديّ اسمه وتسجيل بصوته، تحدث عن عمليات تهريب أسطوانات الغاز، بواسطة نقليات القدموس من الدريكيش، وأخرى بواسطة باصات النقل العمومية (الهوب هوب). وطلب منّي أن أحضر يومياً في ساعات الصباح الباكر لرؤية ذلك، وتساءل عن دور الجهات المختصة بالتفتيش، وعن السبب الذي أدّى إلى إغلاق المستودع في ساحة الجامع والمركز المباشر قرب المركز الثقافي.

عمليات نقل لأسطوانات الغاز ليلاً

أحد المواطنين من إحدى قرى الدريكيش ويسكن فيها، تحدث عن رؤيته مرات عديدة وهو عائد من قريته ليلاً بُعيد الحادية عشرة لموزّع الغاز في الدريكيش، وهو يقوم بإنزال أسطوانات الغاز من سيارته الكبيرة إلى سيارات شاحنة صغيرة على الطريق العام قرب مفرق الشيخ حيدر، وذكر أنه في إحدى المرات توقف وسأل عن السبب، ومن حسن حظه أنه استطاع الإقلاع بسيارته قبل أن يصل إليه احد الأشخاص العاملين بنقل الأسطوانات من السيارة الكبيرة إلى إحدى الشاحنات. مجرّد سؤال: إذا كان في منطقة الدريكيش مركزان أساسيان لتوزيع الغاز، الأول في ساحة الجامع، والثاني قرب المركز الثقافي، مستأجران من قبل الدولة، وفيهما أكثر من خمسة موظفين يقضون أوقاتهم – إن وجدوا –  بشرب الشاي، وإذا كانت السيارة تجوب المدينة كما ذكرنا مع تسجيلنا العديد من إشارات الاستفهام على ذلك، فليسمح لنا المعنيون بسؤالهم عن جدوى استئجار المركزين ودفع مبالغ من المال أعتقد أن خزينة الدولة بأمس الحاجة إليها!

كلمة أخيرة

لقد بلّغت المسؤولين في منطقة الدريكيش والمحافظة بما ذكرته، ولكن لسوء الحظ فإن الجميع استغرب ذلك على أساس أنه لا يوجد أزمة غاز هذه الأيام، والأنكى من ذلك أن بعضهم طلب منّي صوراً لعمليات التهريب وتسجيل لعمليات السمسرة، وكأني جهة مختصة بذلك، متناسين أن مهمتنا هي إيصال الشكوى بحثاً عن حل فقط، وهذا ما يجعلني أضع مئات علامات الاستفهام والتعجّب على تفهّمهم لعملنا وعملهم أيضاً.

 اللهم اشهد بأني قد بلّغت!

العدد 1140 - 22/01/2025