المصالحة الوطنية في ظل المعطيات الراهنة
ألقى الدكتور جورج جبور، رئيس الرابط السورية للأمم المتحدة، محاضرة بعنوان (المصالحة الوطنية في ظل المعطيات الراهنة)، وذلك في المركز الثقافي العربي في كفرسوسة، بتاريخ 23 تشرين الثاني 2014.
بدأ المحاضر كلامه بتحية وزارة الثقافة على اهتمامها بذكرى تأسيسها، ودعا الوزارات والمؤسسات السورية إلى أن تحذو حذوها، مشيراً إلا أنه منذ عام 1955 يدعو وزارة الخارجية إلى اعتماد 9 آذار من كل عام يوماً لها، لأنه في مثل ذلك اليوم عام 1920 صدرت أول وثيقة رسمية سورية تعتمد تعبير (وزارة الخارجية).
وفي مقاربته موضوع المحاضرة أكد الدكتور جبور أن المصالحة الوطنية هي الطريق الأوحد والأقوم والأسلم من أجل إعادة الإعمار واستئناف مسيرة التنمية، وقال: باختصار المصالحة طريق المستقبل، فكلما أمعنا النظر إلى المستقبل كلما زادت حماستنا للمصالحة.
وقال الدكتور جبور إن التاريخ العربي حافل بتجارب هي مصالحات وإن لم يطلق عليها هذا الاسم.. ففي تاريخنا كان هرم بن سنان المري ببذل من ماله لوقف الاقتتال، ونحن ما نزال ننشد قصائد مديح زهير بن أبي سلمى له.. وأشاد المحاضر بفكرة للأستاذ حكيم مرزوقي بأن تحدث جائرة للسلم باسم زهير أو باسم هرم مبدياً استعداده للتبرع بمبلغ من المال لتنفيذ الفكرة.. كذلك عرف تاريخنا صلح الحديبية الذي هو التجسيد الأمثل للمصالحة. ومن المعروف أن ما جرى في الحديبية مهّد لفتح مكة، وإن ذلك الصلح ما كان ليتم لولا استجابة الرسول العربي الكريم لشرط المشركين إغفال وثيقة الصلح وصفه رسولاً. وشدد المحاضر في هذا الإطار على ضرورة تحلّي طرفي لمصالحة بروح المصالحة وما تتضمنه من اقتصاد بالمطالب واستعاد للاستجابة لرؤية الطرف الآخر.
وتحدث المحاضر عن درجات في المصالحة، فالدرجة الأدنى وقف الاقتتال، والأعلى الاشتراك في العمل العام، أي في الحياة السياسية بروح احترام الكل للكل، في أطار الالتزام بالقواعد الديمقراطية المعروفة، وبين الدرجتين مراتب متعددة كالمصالحة الوطنية التي تضمن عدم المس بالمرافق العامة كالماء والكهرباء.
وبحث الدكتور جبور في العلاقة بين المصالحة والقانون، مبيناً أن القانون الأعلى من القانون المكتوب هو الاتفاق بين المتصالحين، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الحقيقة ينبغي أن تعرف، فمعرفتها مريحة للنفس. وفي هذا المضمار استحضر الدكتور جبور الفقه الدولي المتطور للعدالة الانتقالية، والذي ترعاه الأمم المتحدة، كما استعرض تجارب ممارسة هذه العدالة في بلدان مثل جنوب إفريقيا وإيرلندا وإسبانيا وغيرها.
وفي كلامه عن المعطيات الراهنة في سورية وقف المحاضر عند تبعثر الفئات المسلحة على ما يزيد عن ألف فئة، وعند الجهات الخارجية الفاعلة في الوطن والساعية إلى إضعافه، ورأى فيها معوقات جدية للمصالحة، وبالمقابل وجد أن تقدم الجيش على جبهات متعددة ويأس الجهات الخارجية من النيل من الصمود السوري، كما رأى في التهديد المتصاعد الذي يتعرض له العالم بسبب الإرهاب، والتهديد المباشر الذي يقترب من دول تصدير الإرهابيين وأموالهم إلى سورية، رأى في كل ذلك عوامل تساعد على ازدهار المصالحات الوطنية وهو أمر نشاهده على أرض الواقع.
ولاحظ الدكتور جبور، وله خبرته السياسية الطويلة في الشؤون العربية، أن إعلان القوى الإقليمية والدولية والهيئات الدولية مواقف شاجبة لداعش وأخواتها، وشعور دول عربية متعددة باقتراب الخطر منها، يحمل في طياته إمكان الوصول إلى نوع من العمل الذي يحول دون الانزلاق إلى مزيد من التشرذم العربي. وأوضح أن التقدم إلى مثل ذلك النوع من العمل يقتضي قبل كل شيء شجاعة سياسية أولها وقفة مراجعة للذات تقدم عليها دول عربية عدة.
وفي الختام أشاد الدكتور جبور بجهود وزارة المصالحة الوطنية وبجهود لجنة المصالحة الوطنية في مجلس الشعب، ومعهما كثير من الهيئات الحكومية وغير الحكومية في السير على طريق المصالحة، واعتبر أن قمة المصالحات الوطنية هي تلك التي تأتي نتيجة مؤتمر حوار وطني عام يتم فيه تنسيق الاختلافات بين القوى الوطنية وصولاً إلى صيغة مريحة للجميع أساسها صيانة وحدة سورية وسيادتها ودورها العربي والإقليمي والدولي.