عيون مجتمع
التقى جورج في دروب الحياة مع فاطمة واشتعلت بينهما شرارة الحب، ودقّ ناقوس القرار والحسم، فأرادا الزواج، وهنا بدأت المشكلة والحيرة والفصل. كان لا بد ل جورج أن يقرر، فإما الحياة مع مجتمعه دونها، أو معها دونهم. يحبها هو كثيراً ورأى فيها مسيرة الحياة، لكنه لا يحب أن يغيّر دينه لأنه مقتنعٌ به تماماً ولا يرضى له بديلاً.. حلّه الوحيد الزواج المدني.
سورية من البلدان التي لا تعترف بهذا النوع من الزواج، فلا قانون يحمي ولا دين يشرّع هذا الزواج، ولا بدّ من أن يتخلى الفرد عن دينه إن كان يريد الارتباط بالآخر، وإن كان غير مقتنع وغير راضٍ، فالشريعة والدين هما من يحكما حياتنا اليومية.
اللافت بالموضوع هو هذا التناقض في تقبل المجتمع لمثل هذا الفكر، فنحن نعرف أن (لا إكراه في الدين)، وفي الوقت نفسه هناك إجبارٌ على الالتزام بالدين الإسلامي في حال الزواج المختلط. الزوجة المسيحية تستطيع أن تبقى على دينها لكنّ أولادها يولدون مسلمين، والزوج المسيحي عليه أن يشهر إسلامه إن كان يريد الزواج من مسلمة ويكون الأولاد حتماً على دين الإسلام. أما الزواج المدني فيسمح للزوجين بالبقاء على دينهما، ويختار الأولاد الدين الذي يشعرون بالانتماء إليه فلا يكونوا (مكرهين).
بعض الشبان يرون أن الزواج المدني هو مشروع سيئ، لأنه يشتت الأولاد ويجعلهم غير قادرين على حسم أمورهم. والبعض الآخر يرى في الزواج المدني فرصة للانفتاح على الآخر والاعتناق الصحيح للدين، حيث يستطيع الولد حين يبلغ أن يقرر ما الدين الذي يريده. كما قال بعض الشبان أنهم يتخوفون من فكرة الزواج المدني لأنه يمكن أن يسير باتجاه عدم الالتزام الديني، أو بأنه لن يكون حلالاً لأنه غير مثبتٍ عند شيخ، وبعضهم يرى أن الأخلاق الإنسانية والعقل والحب هي الأشياء التي يحتاجها المجتمع اليوم أكثر من أي التزام مباشر بدين أو عقيدة. فمجتمعات الغرب يعيشون حياة تخلو من فتات الأمور التي لا تزال عالقة لدينا من حبّ محطم، أو زواجٍ غير عادل، أو طلاق تعسفي وما شابه.
وأما عن الحقوق الموجودة في الزواج المدني فيحكمها القانون، حيث تشعر المرأة بالأمان مع رجلها دون خوفها من الطلاق في أي لحظة، فالطلاق قرار مشترك، ودون الخوف على حقوقها، لأنها ستأخذ نصف الأملاك التي جمعتها مع زوجها، فعملها في المنزل يعادل عمل زوجها في الخارج، وأما عن الأولاد فهو أيضاً قرارٌ مشترك، وحقهم في الحياة والعيش والدين هو خاصّ بهم دون أي تعقيداتٍ أو التزامٍ..
يقولون أحيانا إن هذا الزواج سيكون ضد الدين والالتزام، وبالتالي سيفقد الشرق طابعه الديني الملتزم، مفترضين أننا ما زلنا تحت سقف الدين. وبعضهم يقول أن تعقيدات الدين هي أساس كل مشكلة من تعصّبٍ وتباعدٍ وخلافٍ وأكثر، والحلّ الوحيد هو الانصهار الاجتماعي دون تسلط أو فرض، وبالتالي من يبقى على دينه بحريته سيكون فقط من يستحق الإيمان الحق.
أفكارٌ كثيرة تأخذنا من كلّ حدبٍ وصوب، وما علينا فعله هو تلبية رغبات الناس في إيجاد كافة طرق وأساليب تناسب الحياة، ولكلٍّ الحق في اختيار طريقه وأسلوبه وتفكيره، فال (إكراه) والفرض ليسا مرغوبين في هذا الزمن، وعليه فمن يريد أن يتزوج في كنيسةٍ أو عند شيخٍ فليفعل، ومن أراد الزواج المدني فليقم به وما علينا كدولةٍ ومواطنين إلا أن نتقبل أي وجودٍ وبأيّ طريقة، وعلينا بتسهيل كلّ أمرٍ يحرر الفكر من صغائر الأمور..