نعم… بالخبز وحده يحيا المواطن..!

إذا كان المواطن على مدى أكثر من عامين قد عانى ما عاناه من انفلات الأسواق والأسعار على نحو جنوني دون إمكان التحكم بها من جانب المعنيين في التموين وحماية المستهلك، على الرغم من كل الشعارات والقرارات الارتجالية اليومية، فإنه يأمل أن يبقى رغيف الخبز ضمن حدود السيطرة، لأنه لم يعد له سوى الرغيف يضمن له استمراره في الحياة. ومن هنا نطلق صرختنا علّها تجد آذاناً مصغية فيتحرك أصحابها للضرب بيد من حديد لا من عجين على كل من تسوّل له نفسه التلاعب بهذه المادة.

وكي نكون منصفين في كلامنا فإن الحكومة ما زالت حتى اليوم تقدّم كل ما يحتاجه الرغيف من الوقود أو الدقيق بأسعار مدعومة. ولكن على ما يبدو فإن القائمين على الأفران هم الذين يقفون وراء رداءة الرغيف في طرطوس بالنسبة لبعض الافران العامة أو الوزن الناقص بالنسبة للأفران الخاصة. أما الأفران السياحية فحدّث ولا حرج!

وعند جولتنا على عدد من الأفران في محافظة طرطوس (الحكومية أو الخاصة والسياحية) وبعد اللقاء مع عدد من المواطنين تبيّن لنا أن هناك أسباباً قديمة جرى استثمار الأزمة لتطويرها، فجاء الرغيف بهذه النوعية الرديئة في بعض الأفران، وأنقص الوزن بشكل ملحوظ:

السيد عماد نصر تحدّث عن جنون الأسعار في معظم السلع، مشيراً إلى أن المواطن يمكنه أن يستغني عن عدد من السلع الكمالية ولكن لا يمكنه أن يستغني عن مادة الخبز. وأشار إلى نوعية الخبز غير الجيدة التي يجري تحضيرها في الليل في الأفران الحكومية. في حين أنها مقبولة بعيد العاشرة نهاراً وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن عناصر الورديات الليلية هم الذين يقفون وراء ذلك. وفيما يتعلق بالأسعار قال عماد نصر بأن سعر الربطة مازال 15 ليرة في الأفران الحكومية. أمّا فيما يتعلق بالرقابة التموينية فقد أعرب عن عدم رضاه عن عملها، منبهاً إلى أن على عناصر التموين وحماية المستهلك مراقبة تجار الجملة الكبار وعدم (فشّ خلقهم) بتجار المفرّق.

السيد محمود بدران تحدث عن تذبذب نوعية الرغيف، وأشار إلى الوزن النظامي في الأفران الحكومية. في حين هناك انخفاض واضح في وزن الربطة في جميع الأفران الخاصة، دون أن يتمكن المعنيون في المحافظة من وضع حد لهم.

السيد أسامة علي، رئيس شعبة التموين في الدريكيش، تحدث في معرض ردّه على أسئلتنا حول جملة من الاستفسارات التي طرحها كل من التقينا بهم بالقول: الرغيف ما زال بخير حتى الآن، والنوعية الرديئة في بعض الأفران تعود إلى إنتاج الخبز ليلاً، وعدم إمكان توزيعه في ذلك الوقت. وكما تعلم – يضيف الأستاذ أسامة – فإن مادة الخبز لا تخزّن والتكديس حتى الصباح هو السبب في ذلك. أما الرائحة فقد تكون من الخميرة أحياناً. وحول التلاعب في وزن الربطة في الأفران الخاصة في منطقة الدريكيش وتوابعها أكد الأستاذ أسامة أنه على استعداد لتلقي كل الشكاوى وتقديم المخالفين للقضاء، ولكن المواطن لا يتحمل مسؤولياته وبالتالي يسهم في استمرار المشكلة. وحول التدرّج في فرض العقوبة لتصل إلى سحب الرخصة أكد رئيس شعبة تموين الدريكيش أن هذا الموضوع ليس من صلاحياته بل من صلاحيات الوزير.

عند زيارتنا للسيد نائل، وهو تاجر سمانة، وجدنا لديه ربطة خبز من مخبز الدريكيش الآلي لم تفك لصاقتها بعد، فقمنا بوزنها وعد أرغفتها فوجدنا أنها تحتوي على 8 أرغفة ووزنها لا يتجاوز 1210 غرامات، أي أن هناك نقصاً مقداره 240 غراماً. ومن محل المذكور اتصلنا مع أحد التجار الذين يقومون ببيع الخبز بعد استجراره من المخبز الآلي، فقال لنا بأن الربطة تحتوي على 8 أرغفة، ووزنها بحدود 1300 غرام، أي أن هناك نقصاً في الوزن مقداره 150 غراماً!

أمّا ما حدث معي شخصياً فهو أنني اشتريت خبزاً من الفرن الشرقي في الدريكيش (فرن خاص) بمبلغ 50 ليرة، وفوجئت بأن عدد الأرغفة هو 25 رغيفاً بدلاً من 30 رغيفاً. وعند قيامي بوزنها كان الوزن 1310 غرامات، أي أن هناك نقصاً في الوزن مقداره 1640 غراماً، أي ما يعادل ربطة خبز نظامية! طبعاً تقدمت بشكوى لشعبة التموين في الدريكيش، ولاحقت الموضوع إلى أن تمت مخالفة صاحب الفرن. ولكن كانت مفاجأتي بأنهم اعتبروا ذلك زيادة في السعر، وليس نقصاً في الوزن. ومن المعلوم أن لكل مخالفة عقوبتها الخاصة، وعند الاستفسار عن السبب الذي دعا رئيس شعبة التموين في الدريكيش لتسطير المخالفة على أساس زيادة في السعر وليس نقصاً في الوزن، وجدنا أنها أقل في حال كانت زيادة في السعر!

بعد كل ذلك اتصلنا بالأستاذ حسين طيارة، مدير التموين في محافظة طرطوس، ووضعنا بين يديه ملاحظاتنا، فأكد لنا أن وزن الربطة لم يطرأ عليه أي تعديل، وهو بحدود 1450 غراماً بغض النظر عن عدد الأرغفة في الأفران الحكومية، و1550 غراماً في الأفران الخاصة، مشدداً على ضرورة أن يقوم المواطن بدوره عند أي تلاعب، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالوزن أم السعر.. وفي ردّه على سؤال يتعلق بتدرّج العقوبة كي تكون رادعة بالنسبة للمخالف، أكد الأستاذ حسين طيارة أن السيد المحافظ لم يوافق على إغلاق أي فرن!

السيد أبو أحمد تحدث عن عدم القيام بإنتاج كامل الكمية المخصصة للأفران الخاصة، إذ يقوم أصحابها ببيع الطحين لأصحاب التنانير المنتشرة بشكل أساسي في الريف الطرطوسي، وطالب بوضع حدّ لذلك، لاسيما أن ثمن خمس خبزات تنور هو 75 ليرة، فهل يعقل هذا؟!

أخيراً: كُتِب الكثير عن رغيف الخبز في طرطوس، وما زال بحاجة إلى اهتمام أكثر من قبل المسؤولين في المحافظة، وبحاجة إلى متابعة يومية من جانب الجهات الرقابية. فالمواطن لم يعد يقتنع بأن الأزمة هي السبب في رداءته مادام الدقيق متوفراً والوقود أيضاً.. المسألة مسألة ضمير وأخلاق، وأجزم أن العقوبات الرادعة والتدرّج في فرضها، ستكون الحل الأمثل لكل من يتلاعب بلقمة المواطن..!

العدد 1183 - 23/01/2026