العلمانية ونشر الثقافة القانونية

 العلمانية: مفهوم مرن قائم على التطور والتعديل والزيادة والتكيّف مع البيئة الموجودة، أساس الانتماء فيه المواطنة والتشريع العادل القائم على المصلحة العامة والخاصة معاً معتمداً الدستور والقوانين الوضعية المحلية  والدولية المتضمنة حقوق الإنسان، في دولة مرجعيتها في أحكامها مستندة إلى العلم والماديات والديمقراطية.

من أسس العلمانية وركائزها سيادة القانون وانتشار المعرفة والثقافة القانونية مؤسساتياً ومجتمعياً ولدى الأفراد، فهي أهم دعائم المجتمع المدني والدولة العلمانية.

المعرفة والثقافة القانونية والحقوقية

 هي معرفة مجموعة الحقوق والحريات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان أو مجموعة  تجاه المجتمع والدولة، والتي نصت عليها القوانين المحلية الوضعية وتضمنتها المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ومن دونها لا يعيش الإنسان بكرامته ضمن المجتمع المدني، فهي القاسم المشترك بين البشر، وهي غير قابلة للتجزئة ولا للمفاوضة ولا تقبل مفهوم الحد الأدنى والحد الأقصى. فالطبيعة البشرية رغم تنوع الأعراف والأفراد والجماعات واحدة، والقيم الإنسانية الأساسية عالمية رغم تنوع الحضارات والثقافات، ونشر هذه الثقافة له فوائد جمة، في طليعتها خلق ثقافة وطنية كلية يعي فيها المواطن حقوقه وواجباته، وهي مطلب ينادى به للإيمان العميق بأهميته في تعميق فكرة المواطنة.

سبل انتشار المعرفة والثقافة القانونية

وسائل انتشار الثقافة والمعرفة القانونية متعددة وغير حصرية وغير محددة ومتطورة مع تطور المجتمع والقوانين نفسها، فمن المستحيل الإلمام بالحقوق والقوانين كلها من الفرد أو المؤسسة ولكن هناك أسس وطرق عامة تساعد على تكوين المعرفة الحقوقية ونشرها ولكل دوره في ذلك:

الدولة:

1- من نافلة القول الحديث عن ثقافة حقوق الإنسان أو ثقافة  الحقوق والواجبات إلا إذا أقرها القانون بمفهومه الواسع، فالصلة وثيقة بين القانون والحق، فالقانون يتولى تنظيم سلوك الأفراد والمؤسسات في المجتمع عن طريق إقرار هذه الحقوق، ويفرض بالمقابل واجبات على أساس التوازن بينهما كركيزة أساسية لاستقرار المجتمع،إذاً الواجب الأساسي يقع على الدولة في التشريع الحقوقي القانوني وتطبيق القوانين وفرض إلزاميتها وتعديلها مع التطور بما يحقق العدالة التشريعية وينظم الحقوق وينشر العدل والمساواة في القوانين وأمامها وفي استقلالية السلطة القضائية مرجعية إحقاق الحقوق وتنظيمها.

2– مؤسسات الدولة:

يقع على مؤسسات الدولة في كل المجالات دور أساسي في نشر هذه الثقافة والمعرفة، والساحة هنا واسعة وقد تكون إلى ما لا نهاية ولكن بأساسيات لا غنى عنها في الدولة ومؤسساتها وكل مرافقها ووزاراتها  وقطاعاتها المختلفة  – فعلى سبيل المثال –  نجد على الأغلب جهلاً قانونياً واستهتاراً بالمعرفة القانونية وأهميتها لدى العمال في قطاعات الدولة المختلفة ويغبن الكثير من العمال في نيل حقوقهم نتيجة جهلهم بحقوقهم وواجباتهم، وهنا يكمن دور الدولة والمنظمات في التمكين القانوني والتنمية من حيث نشر الحقوق والواجبات العمالية من تاريخ مباشرة العمال إلى ما بعد انتهاء الخدمة، مع نشر القوانين والتشريعات والأمور الصحية وتوزيع المراسيم المتعلقة بمجال العمل والعمال عليهم، وهذا غيض من فيض من حيث الدور القائم على الدولة ومؤسساتها في نشر المعرفة والتوعية القانونية.

3- الأسرة:

الخلية الأساسية في المجتمع حسب الدستور، تقع عليها المهمة الرئيسية في نشر الوعي والمعرفة القانونية وتطبيقها – فعلى الأفراد قبل الإقدام على الزواج وتأسيس الأسرة معرفة حقوق الزوجين وواجباتهما والاطلاع على تفاصيل هذه المؤسسة الحياتية من حيث المسؤولية والظروف المعيشية والصحية المانعة أو التي تسمح بإنشاء هذه الخلية، ومعرفة المظلة القانونية التي تخيم على هذه المؤسسة من لحظة العقد إلى كل آثاره في الحمل والإنجاب وعدد الأولاد والإنفاق والمنزل الزوجي وطرق إنهاء الحياة الزوجية وغيرها الكثير.

4- في التربية والتعليم:

التربية في مفهومها الواسع هي مرافقة الطفل في جميع مراحل حياته وتنشئته على قيم المجتمع وتعليمه المهارات المختلفة وتربية الأجيال تربية صحيحة على حقوق الإنسان والمواطنة انطلاقاً من تأمين حقوق الجنين التي كفلها الدستور، إلى حقوق الطفل التي نص على بعضها القانون كالتربية الصحيحة والصحية السليمتين عقلياً وجسدياً مختصة مع نشر معرفته بحقه في الحياة والعيش الكريم من لحظة تعلّمه اللغة وبالتدريج لمعرفة كامل حقوقه انطلاقا من الأسرة إلى دور الرعاية إلى المدرسة إلى الجامعات، وبالمقابل يستلزم ذلك واجباً على الدولة والجهات المختصة بوضع المناهج الدراسية التعليمية والترفيهية والتربوية من المراحل الأولى إلى الأخيرة بحيث تتضمن معرفة الطالب والمواطن والمدرّس والجهة القائمة على التعليم بحقوقها من الطفل إلى الطالب إلى المعلم إلى الجامعة إلى المدرسة كل حســــــــــــب وضعه، لينشأ جيل عـــــــــالم بحقـــــــــوقه وواجبــــــــاته وإنسان متمكن منها وغير قابل لهدرها.

5 – الإعلام:

المجال الهام في نشر هذه الثقافة والمعرفة هو الإعلام، فعليه دور أساسي في تنمية الوعي الحقوقي والقانوني وأصبح مع تطور التكنولوجيا والعلم ووسائله سلاحً ذا حدّين، فهو قد يساهم في نشر الفكر الظلامي المتطرف الناكر لحقوق الإنسان والمجحف بحقه والقائم على التفرقة والعصبية والتمييز والتطرف والتخلف، وفي الطرف الآخر الإعلام القائم على نشر العلم والعدالة والوعي والمعرفة، وهنا يكمن الخطر في عدم لحظ دور الإعلام بمكوناته كاملة في هدم الحضارات وفكر الأجيال والعودة بها إلى عصور الجهل والظلام، بل وأحياناً زرع فكر ينشئ جيلاً جديداً بمفاهيم وأطر وعادات وتقاليد جديدة قائمة على نبذ الآخر وهدر حقوقه وممارسة وسائل وسبل للعيش لم يعهد لها التاريخ مثيلاً وتؤسس لثقافة جديدة أخطرها هدر إنسانية الإنسان وحقوقه واستباحته بدمه وأرضه وماله وهدم القوانين والمؤسسات والبنيان الحقوقي كاملاً.

وبهذا يكون على الجميع مسؤولية كبيرة في نشر المعرفة القانونية وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان وتوسيعها، لإنشاء دولة علمانية يسودها القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة.

العدد 1140 - 22/01/2025