لا بديل من مواجهة العدوان الأمريكي

التوتر المتصاعد في أكثر من بقعة في العالم، والذي وصل إلى حد الانفجار في بقاع أخرى، هو نتيجة حتمية لظاهرة قديمة – جديدة، وهي الميل الدائم والمستمر لدى الإمبريالية، بوجه عام، والأمريكية منها بشكل خاص، لتوطيد همينتها على العالم، واستدامة نهب ثرواته، والحفاظ على مصالحها بقوة السلاح. وإذا كان العالم قد تجنب حتى الآن حدوث كارثة واسعة النطاق، فلأن توازن القوى في السابق لم يكن يسمح بإخلاله.

ولكن ما إن تسنح الظروف، حتى تكشر الإمبريالية عن أنيابها، وتخلع قناع السلام الذي تتستر به، وترتدي ثياب الحرب والموت.

هذه هي الإمبريالية، وهذه طبيعتها، وهي لم تتغير منذ أن بنت اقتصادها ورفاهيتها على حساب نهب ثروات العالم الثالث، وإفقار الشعوب، وهي أيضاً لن تتغير، بل ستصبح أكثر شراسة من ذي قبل، لأن رياح العالم تتجه عكس ماتبتغيه هذه التركيبة الاقتصادية- الاجتماعية- الاستعمارية.. ولذلك سيكون الميل لديها أكثر عدوانية، ما لم تنشأ ظروف جديدة ويتوطد وضع الدول التي تحقق توازناً جديداً في العالم.

من هنا نستطيع أن نفهم سر هذه المواقف الحاقدة على سورية، التي تمكنت من وضع الأسس والدعائم لبناء توازن قوى جديد في المنطقة يضم قوى المقاومة بشكل أساسي، والقوى الوطنية التي انفكت سياسية وفكرياً عن الفلك الأمريكي، واقتصادياً عن الاقتصاد الرأسمالي المتوحش وخاصة النيوليبرالي منه. وبدأت دول نامية كبرى بالتمدد على النطاق العالمي، وأقامت رابطة تحالفية متينة مع روسيا الناهضة من كبوة فرضها عليها نظام يلتسين السيئ الذكر في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ثم بدأ هذا الحلف يتجسد بصورة مجموعة بريكس وأحلاف وتجمعات أخرى تضم الصين والهند وفنزيلا وروسيا البيضاء وجنوب إفريقيا وغيرهم وغيرهم، الذين وإن لم يكونوا في عداد هذا الحلف رسمياً، ولكنهم يتقاطعون فيما بينهم بالمصالح وبالطموح إلى تأسيس دول وطنية قوية من الداخل، تشكل بمجموعها مشروع تحالف دولي واسع النطاق، ينهي سيطرة القطب الأمريكي الأوحد.

وليس من المستغرب إذن أن تشتد الحملة على الدولة السورية من داخلها ومن خارجها، وأن تتعطل سبل الحل السياسي للخروج من الأزمة، بفعل التشدد والتعنت الأمريكي الذي يترجمه عملاؤه وأجراؤه (ثوار) فنادق النجوم الخمس بأشكال مختلفة.. كما ليس من المستغرب أن يتم تحريك الداخل الأوكراني وأدواته الفاشية والإجرامية في الوقت نفسه، جنباً إلى جنب مع تحرك الرجعية الفنزويلية وانفضاح مخططاتها لإثارة فتنة داخلية دموية.. وغير بعيد عن ذلك بالطبع تحركات القوى الدينية المتطرفة والظلامية في جمهوريات القفقاس السوفييتية سابقاً، وامتشاقهم السلاح لزعزعة الأوضاع فيها، بغية إضعاف صلاتهم المنبعثة من جديد مع روسيا، والتلويح دائماً بسيف التهديد بإثارة فتن مسلحة. إن من لا يربط كل هذه المسائل برباط واحد، فإنه يجافي الحقيقة، ومن يتجاهل دور الإمبريالية في محاولات تدمير الدول الوطنية والكبرى السائرة في طريق التقدم، فإنه كمن يحاول إخفاء الشمس بإصبعه.

إن سورية تعلم أنها ستدفع ثمن مواقفها وثمن انخراطها في تحالفات دولية تقدمية، وثمن عدائها للإمبريالية العالمية وربيبتها الصهيونية، وليس أمامها إلا أن تسلك هذا الطريق الذي يوصلها إلى تحقيق أهدافها وحقوقها المشروعة، وأهمها تحرير الجولان، والقضاء على الإرهاب والإرهابيين، واستعادة السلم الأهلي الوطني الذي يبنى على قاعدة التحولات الديمقراطية ومناخ الحرية والانفتاح على الشعب.

ومهما حاولوا، كما يفعلون الآن، دفع تركيا للاستمرار في إذكاء نار الحرب على سورية، وإقامة تعاون تركي- إسرائيلي- سعودي بإشراف أمريكي معاد لسورية، لاحت بوادره في الأفق، فلن تتغير النتيجة.. إذ إن الشعب السوري سيظل حاملاً لراية السلام بيد، وراية التصدي للإرهاب باليد الأخرى، وسيكون هو المنتصر.

العدد 1140 - 22/01/2025