مقاربة لتمييز ضروري بين تيارات الإسلام السياسي والإسلام المقاوم

ارتبطت الأزمات الوطنية خلال القرن العشرين وما مر من القرن الحادي والعشرين بظهور خلايا (نائمة) ترفع شعارات إسلامية لا تكون ظاهرة غالباً قبل اندلاع الأزمات، أو تظهر بمظاهر جديدة عنفية لم تكن تعلنها، بل تتزيّى بلبوس ناعم أو تختبئ وراء أشكال علنية رسمية أو شعبية.. لكن ما إن تندلع الأزمة حتى تُظهر العنف، فيظهر قادة جدد، ويختفي القادة السلميون الوسطيون، أو حتى يقتلون في إطار الفوضى بشكل غامض، أو يعلن القادة الجدد تكفير أولئك الوسطيين ويعلنونهم كرجال سلطة، أو منحرفين عن الدين القويم.

وفي تجربتَيْ سورية ومصر روّج الإخوان المسلمون لوسطيتهم واعتدالهم، وأنهم ضحايا القمع السلطوي، لكن ما إن تمكنوا من إظهار الخفي (تقيةً)، حتى ظهر العنف منهم ومن التيارات التي خرجت من عباءتهم، رغم الاختلاف الذي وصفه المحللون في تنظيمي الإخوان في سورية ومصر.

لكن مع تطور الأحداث تبين أن الشعار المطروح (الإسلام هو الحل) يخفي وراءه سياسات محاور، وبعدما اتهم الإخوان طويلاً خصومهم (بل أعداءهم !) بأنهم غير وطنيين، لأنهم يرتبطون بهذا المحور أو ذاك، فإنهم دخلوا إلى العمق في سياسة محاور قاتلة خلال الأزمات الأخيرة في الوطن العربي، تبدأ بقطر ولا تنتهي بتركيا، ضد المحورين الآخرين : محور سورية – إيران – المقاومة (بدعاوى طائفية مذهبية)، وضد محور السعودية (دون إعلان الأسباب لأنها سياسية)..

إذاً، لهذه الأسباب ولغيرها، وفعلاً أصبح من النافل القول إنها تنظيمات سياسية غير دينية، وإنها تعلي الشعار الديني لتخدير الجماهير واستدامة تأثيرها.. وادعاء أنها منهم وتمثلهم ولهم.. لكن حتى هذا الادعاء بات يحتاج إلى إثبات، فكونها غير دينية إلا بالشعار، مسألة، ومسألة علاقتها الجذرية بالواقع الاجتماعي مسألة أخرى وتحتاج إلى بحث.

برع تنظيم الإخوان المسلمين في مصر في إبداع أشكال شعبية للتنظيم والنفاذ إلى قاع المجتمع المصري، وإلى مثقفيه وطلابه وشبابه، لكن مسألة الشعبية تحتاج إلى بُعد آخر غير النفاذ والبراعة في تنظيم الناس واختراق كل البيئات الشعبية، تحتاج إلى أن تكون أهداف السياسات شعبية، وبمعنيين:

الأول – في الشق الاجتماعي الاقتصادي : وهنا لم يعلن الإخوان سياسات شعبية أبداً، بل مثّلوا مصالح الشرائح الأكثر تجارية وعقارية في البرجوازية المصرية، ولم يقدموا برنامجاً اجتماعياً اقتصادياً لصالح الطبقات الكادحة العريضة من عمال وفلاحين وغيرهم.

الثاني – في اعتماد الحلفاء الدوليين والإقليميين : فهم ذهبوا لاسترضاء الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي عموماً وتسولوا قروض البنك الدولي رغم عدم شعبيتها.. وتحالفوا مع قطر وتركيا اللتين حاولتا خلال سنة حكم الإخوان زيادة استثماراتهما لمصالحهما، وضد الشرائح الشعبية الفقيرة، ما جعل الشعب المصري بكل شرائحه يشعر بالمهانة والتبعية لدولة مثل قطر، بسبب ما ينتهك السيادة المصرية واستقلالية مصر أو ينتقص منها..

فإذا كانت أحزاب الإسلام السياسي تعتمد العنف في الأزمات، وغير العنف مطية خارج الأزمات، فلا يدافعنّ عنها أحد.. فتكوينها الفكري السياسي – على أنها دينية – يجعلها تسمي الخطأ كفراً، والانحراف فسقاً أو زندقة.. وهي تفصّل الاتهامات على قياس الأعداء أو الخصوم الحاضرين، لا على قياس المعايير الدينية.. فهي ولو ادعت (الدينية)، فإنها ليست كذلك.. إنها سياسية تتغطى بألحفة الدين، وتتقنع بأقنعة تعاليمه، بينما تنفذ أجندة تحالفاتها الإقليمية والدولية.

وينطبق هذا الكلام طبعاً على كل الأحزاب الدينية التي تعمل بالسياسة.. لكن التمييز الذي يجب القيام به هو مع حركات المقاومة الإسلامية، ودعوني أسميها تيارات الإسلام المقاوم، لتمييزها عن تيارات الإسلام السياسي.. وهي كذلك تستخدم الدين، ولكن لمقاومة العدو الصهيوني، وفعلها الوطني القومي هنا واضح بهذا الاتجاه..

وهي تتميز عن تلك بميزة أخرى، فهي تمثل نبض الشارع الوطني والقومي في معاداته للمشاريع الإمبريالية والصهيونية، وهي إذ تقوم بفعل المقاومة المجيد لهذه المشاريع، استطاعت خلال العقود الثلاثة الماضية أن تفعل الكثير لإفشالها أو إسقاطها، وتحقيق التحرير (بالنسبة لجنوب لبنان) بفضل قوتها وتحالفاتها الصحيحة إقليمياً ودولياً..

ولا أنسى أن هذا التمييز قائم وصحيح ما دامت بوصلتها المقاومة، حتى تدخل زواريب السياسة، فيظهر لديها ميزات تيار الإسلام السياسي نفسها، والخطورة فيها تقوم هنا: عندما تغير فعاليتها الأساسية من فعل المقاومة إلى العمل بالسياسة، دون أن يفوتني أن العمل المقاوم يحتاج إلى حامل سياسي ودعم سياسي، لكن ما قصدته أن الهدف الرئيسي لها عندما ينحرف عن المقاومة والعمل السياسي المقاوم (بالمعنى الوطني وليس الزواريبي)، فإنها تذهب إلى خانة تيارات الإسلام السياسي، وتفقد شعبيتها، التي كسبتها فقط لأنها تلبي احتياجاً شعبياً بمقاومتها، لا لأي سبب آخر..

لأن المسألة ليست طائفية، كما يحلو لبعض وسائل الإعلام أن ترسم اللوحة، كما يفوت بعضَ المثقفين هذا أيضاً.

فمشروع المقاومة للمشاريع العدوة واستمراريته بأي شكل تبدّى، هو مشروع وطني قومي في الاتجاه الصحيح، وذهاب بعض المثقفين لتحميله بعداً طائفياً أمر غير صحيح، لأن فعل المقاومة يمثل الجميع، وجعله يبدو طائفياً لا يصب إلا في مصلحة المشاريع المستهدفة بالمقاومة.

وأخطاء حركات المقاومة عندما تشوب فعاليتها السياسة والتحالفات الخاطئة، نتيجة تلك السياسة، مع المحور الخطأ يتحملها فريق (تيار الإسلام السياسي) داخل هذه الحركة أو تلك.. لكن من الجحود والشناعة محو التمييز بينهما: (المقاوم) و(السياسي)، أو تحميله بعداً طائفياً، لأن الأول يمثل ضمير الشعب كله في فعاليته المقاومة، والثاني كما أوضحنا قبلاً لا يمثل الشعب بالمعنيين اللذين ذكرناهما، وبالتالي لا الأول يمثل طائفة ولا الثاني كذلك..

ومن غير الصحيح تقديم تحليل يقوم على عدم التمييز، ومن الشناعة (أعيدها ثانية) وصول التحليل إلى مستوى كهذا.. دون أن يتوخى الدقة العلمية، ودون أن يتوخى عدم الوقوع في الفخ (التطييفي).. من قبل كتّاب أو مثقفين علمانيين، باسم الواقعية، أو تحت أي عنوان..

العدد 1140 - 22/01/2025