دعم المستثمرين في المناطق الحرة السورية… قوة للوطن

تعتبر المناطق الحرة قيمة مضافة للاقتصاد الوطني في كثير من الدول، بل إن بعض الدول تعتبرها من أهم الموارد التي تحرك الاقتصاد لديها، وأي عرقلة أو أي تقدير خطأ لدى صاحب القرار حول دعم المستثمرين وقت الحروب والأزمات هي جريمة كبرى، تعادل الخيانة العظمى، لأنها تؤدي إلى هروب المستثمرين، في وقت تكون الأوطان في قمة الحاجة الماسة لبقائهم في أوطانهم معنوياً واقتصادياً.

إن المناطق الحرة لا تكبّد الدولة أعباء الاستثمار وتشغيل أيدٍ عاملة متوقفة عن العمل، استناداً إلى أنها تقوم بتشغيل أعداد هائلة من قوة العمل دون أن ترصد لهم خزينة الدولة أموالاً لخلق هذه الفرص، فإنها توفر على الخزينة العامة اعتمادات كانت سترصدها سنوياً من أجل خلق فرص عمل بأكلاف باهظة جداً، ومن هذا المنظور وجب النظر إلى المستثمرين في هذه المناطق من منظور وطني اقتصادي اجتماعي، لا من منظور الربح والخسائر، لأن استثماراتهم خارج الدولة جمركياً ويغذون الخزينة والبعد الاجتماعي الوطني من خلال امتصاص بطالة دون تحميل الخزينة عبء رصد الاعتمادات المالية سنوياً!

إن الحروب والأزمات تحتم دعم مكونات الاقتصاد الجاذب ومنه المناطق الحرة، لأن التعامل مع المستثمرين اقتصادياً ومالياً وإدارياً ودفترياً ومحاسبياً بأسلوب ما قبل الأزمة نفسه، قد يجعل القائمين على إدارة الملف الاقتصادي والمالي والمناطق الحرة أمام كشف حساب وطني اقتصادي عن أسباب توقف نشاط المستثمرين أو هروبهم، يصل إلى درجة الاتهام بعدم أخذ قرارات فورية في أوانها تدعم العمل الاستثماري.

إن بضعة ملايين الدولارات تأخذها الدولة لقاء الإيجارات السنوية وغيرها من الخدمات لا تساوي شيئاً أمام خسارة موقع اقتصادي رائد إقليمياً، وزيادة أعداد العاطلين عن العمل، بسبب عدم اتخاذ قرارات اسعافية فورية.

كم من المجلات ووسائل الإعلام سلطت الضوء على المركز الرائد للمنطقة الحرة في عدرا لتبوئها المركز الأول في تجارة السيارات الترانزيت وإعادة التصدير على مستوى الشرق الأوسط بكامله، وأدخلت من ذلك عشرات الملايين من الدولارات سنوياً، بينما نرى الأمر مختلفاً الآن، فصارت مناطق إقليمية غيرها تملأ الفراغ، من الزرقا الأردنية والعقبة إلى اليمن إلى جبل علي الإماراتية، والحبل على الجرار.. إن كبرى الشركات العالمية تعتمد الجغرافيا السورية وكيلاً فعلياً في تجارة الترانزيت وإعادة التصدير لعدة أسباب ( الموقع وخبرة التجار السوريين وغيرها)، لذلك وجب على متخذ القرار الاقتصادي عدم إهمال الدعم الفوري والسريع. ولأن المناطق الحرة تعرضت للسرقات أو للتدمير بفعل الأزمة الراهنة، فإن الدعم أصبح لابد منه، إذا كنا نريد ديمومة القوة لهذا القطاع استراتيجياً ووطنياً، لأن سنوات الأزمة (2011 -2012 – 2013) كانت صعبة جداً على المستثمرين (كبارهم وصغارهم) من حيث الخسائر الكبيرة، لذلك نرى الحلول الأفضل إسعافياً هي الآتي:

1- إعفاء المستثمرين من البدل السنوي للإيجار كلياً، ورسوم الخدمات الأخرى للسنة الحالية ،2013 إضافة إلى السنوات الثلاث القادمة، بسبب الخسائر وعدم تحقيق الأرباح التي تمكّنهم من تسديد ماعليهم.

2- ربط تسديد الالتزامات بالمبيعات، أي تؤخذ نسبة من المبيعات لتسديد مستحق الدولة على المستثمرين.

3- إصدار تسعيرة جديدة للإيجارات السنوية لا تتعدى 40% من التسعيرة الحالية، وذلك لتشجيع بقاء المستثمرين وعمالهم (وخصوصاً صغار المستثمرين).

4- تشكيل لجنة عليا اقتصادية تضم خبراء اقتصاد، لدراسة تعويض أضرار المستثمرين، وإعطائهم سنوات إعفاء من تسديد الإيجارات بدل الأضرار، ونحن بتقديرنا من 7 حتى 10 سنوات إعفاء.

إن المستثمرين في هذه المناطق يستثمرون بالعملة الأجنبية (هي مدخرات سورية منها للمغتربين وللمقيمين)، وبالتالي وجب على صانعي القرار الاقتصادي دعمها وحمايتها، لأنها رافد هام للاقتصاد الوطني.

إن مقارنة على سبيل المثال بين المنطقة الحرة في عدرا قبل الأزمة، وماهي عليه الآن، على صعيد تجارة الآليات، بعد أن كانت المستودع والخزان الأهم على مستوى الشرق الأوسط، أصبحت الآن تنافسها مناطق مثل الزرقا والعقبة وجبل علي وغيرها، مما جعل الأرباح تذهب بعيداً عن الجغرافيا السورية، وهذا سبب كاف ليجعل صاحب القرار الاقتصادي يجترح تشريعات إسعافية استراتيجية قبل فوات الأوان.

إن المستثمر السوري لايقل وطنية وإخلاصاً لوطنه عن الايطاليين الذين تبرعوا بسندات الخزينة وقاموا بتجميعها وحرقها بوجود موسوليني، تأكيداً منهم على أوّلية بقاء دولتهم منيعة قوية.كل هذا يجعلنا نفكر في الموضوع بطريقة بعيدة عن الربح والخسارة المادية، أي التفكير بالأبعاد الاقتصادية الاجتماعية المترابطة ذات الانعكاس الإيجابي الكبير على الوطن.    

العدد 1140 - 22/01/2025