الإعلام السوري إلى وراء القضبان.. وقانون الإعلام مهمّش

يتربع الإعلام في دول العالم المتقدمة على عرش سلطته، متفرداً بحريته السلطوية وفق قانون العمل الخاص به ليكون مصدر معلومات لأجهزة الأمن وعمل الإدارات وغيرها في مواكبة التطورات، كما يستفاد من المقترحات التي يقدمها الإعلام  في معالجة القضايا الخاصة بالمجتمع وملفات الحكومات وغيرها، على عكس برمجة الإعلام في بلدنا الذي خرج عن احترام قانونه الخاص وتهميشه مهمته السلطوية، خصوصاً في ظل الحرب التي تشهدها بلادنا من الخارج والداخل.

وكان لتهميش ما يطرحه الإعلام وعدم الاهتمام به من قبل الحكومات في معالجة قضايا المواطن والمجتمع دور سيئ وسلبي للغاية، وكان له منعكسات خطيرة بزيادة بؤر الفساد وانتشار المافيات ضمن المؤسسات والعصابات المجتمعية، وتزايد الانحلال الأخلاقي والمجتمعي انتشاراً كبيراً جداً فاق كل التصورات، بدءاً من أماكن العلم (الجامعة والمدرسة ..الخ) منتهياً بالحديقة العامة وغيرها، ليكون أمام الإعلام السوري محطة جديدة بعد إلغاء المجلس الوطني للإعلام وسلسلة التعيينات الجديدة التي باتت واضحة المعالم بتقييد الإعلام من جديد وراء القضبان وكبت صوت الإعلامي الذي يعمل وفق قانون الإعلام السوري.

فمن بصمة سارة التي فُرضت على الإعلام الرسمي، إلى تصريحات السيد الوزير الأخيرة حول مقابلة المسؤول والموافقة من قبله على ذلك للإعلامي الحكومي والمستقل، فماذا يحصل؟ ومن المستفيد من تقييد الإعلام من جديد؟؟ وهل سيكون الإعلاميون والمفكرون المستقلون الذي يكتبون عن واقع المجتمع السوري في ظل الحرب  وراء قضبان السجون وفي دوائر التحقيق؟! سؤال يفرض نفسه بقوة في ظل وضع رقبة الإعلامي بيد الوزير! وهل سيكون قانون الإعلام محتجزاً تحت الأرض؟

بصمة سارة.. والبنى التحتية غير المؤهلة 

قرار البصمة على الدوام في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والمراكز التابعة له كانت صدمة كبيرة للعاملين ضمن التلفزيون الرسمي، فقد فُرض عليهم الدوام لـ 5 أيام مدة 7 ساعات يومياً، والسؤال ليس هنا ولسنا ضد قرار الدوام الرسمي، مع أن العمل الإعلامي لا يحتاج أحياناً إلى جدولة دوام معينة، ولكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل البنى التحتية في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مهيأة من مكاتب وتجهيزات تستوعب أكثر من 6000 موظف وعامل، وقد عبر الموظفون في الهيئة عن غضبهم من القرار بوقفة احتجاجية، بررها السيد الوزير، وقالوا بأن لا مكاتب لديهم ومن حقهم العمل بحرية من دون تقييد ووفق قوانين العمل في أي بلد  يجب توفير مكان مؤهل لعمل للموظف العادي، فكيف الحال للإعلامي مُعدّاً ومقدّماً ومخرجاً؟ فمن المعروف بأن الوسط الإعلامي يحتاج إلى ميزات مهمة لأنه بالنهاية عمل فكري وإبداعي، فهل سيوفر مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون هذه الميزات لموظفيه، أم هو قرار من دون دراسة؟ فمن مهام المدير الناجح الذي يعمل لمؤسسته هو الإدارة والتخطيط للوصول بمؤسسته إلى النجاح، فكيف سيكون وضع أهم مؤسسة إعلامية رسمية  في سورية تحت إدارته .

قرار الوزير ضحك ولعب وجد.. وقانون الإعلام خارج الحساب

في تصريح لوزير الإعلام منذ عدة أيام تناقلته وسائل الإعلام الخاصة، وذكرت التالي: (وجّه وزير الاعلام المؤسسات الاعلامية بضرورة قيام الإعلاميين فيها بأخذ موافقة قبل أخذ أي تصريح من أي مسؤول، وذلك بسبب قيام البعض بأخذ تصاريح ونشرها في وسائل إعلامية خاصة).

ما المشكلة إذا كان الإعلام خاصاً أم عاماً في حال المؤسسة الإعلامية مرخصة أصولاً وفق القانون الخاص بها؟ ولماذا يقيد الإعلامي من جديد أمام المسؤول، مع إن الإعلامي يتبع للسلطة الرابعة وفق الدساتير والقوانين العالمية للعمل الإعلامي، ومن حقه وفق القانون الخاص به إجراء كل التحقيقات وأخذ التصريحات اللازمة لمادته الإعلامية والصحفية وتحرّيه بحرية ومن دون قيود مع احترام القوانين وعدم الإساءة للبلد وفق ما يسمى بالخطوط الحمراء، وتعتبر جميع المؤسسات الحكومية والقضائية و المؤسساتية والخاصة …الخ والوزرات تحت رقابة السلطة الرابعة التي يعمل فيها الصحفي. فلماذا يا سيادة الوزير تغلق أبواب المسؤولين أمام الإعلاميين في سورية من جديد؟ وهل هذا الكلام يراعي قانون الإعلام ومواده التي تمنح الحرية للإعلامي؟  وهل سيرضى الإعلاميون الحقيقيون بهذا الكلام؟ وهل سيطبق؟ نحتاج أكثر إلى الانفتاح في زمن الفساد والإرهاب الداخلي قبل الخارجي، فالحرب الممنهجة واحدة والإعلام أساس في محاربتها ومعالجة ملفاتها بشكل واضح وصريح وتقديم مقترحاته إلى الحكومة وغيرها إن كان في الصحيفة أو شبكات النت أو الإعلام المرئي والإذاعي، ومن حق الإعلام أخذ رأي المسؤول ليعطيه حق الرد وكذلك إيصال صوت المواطن وشكواه ليكون إعلاماً حقيقياً .

فمن وجهة نظر يجب تفعيل الإعلام  الرقابي أكثر ومنحه حقه كسلطة رابعة في المجتمع السوري، وحماية الإعلامي من المسؤول والتجار المتحكمين به في فتح ملفات يجب معالجتها بدقة لا تهميشها، كما يجب تفعيل الإعلام التنموي الذي يخدم المجتمع ويسهم في بنائه وتطويره، وهذا ما سيفيد أكثر من تقييد الإعلامي ووضع سلطة الإعلام تحت سطوة الفاسدين وغيرهم ممن يتلاعبون بحياة مجتمع ودولة اسمها سورية .

العدد 1140 - 22/01/2025