ملتقيات دمشق الثقافية من الطموح إلى الواقع

طرح الأستاذ حمود الموسى، مدير الثقافة في مدينة دمشق، على مجموعة من العاملين في الحقل الثقافي، فكرة ملتقيات دمشق الثقافية التي أصبحت حقيقة مجسدة بعد أن كانت أشبه بحلم يداعب خيال مدير الثقافة فيها، وهو صاحب التجربة العريقة في تنظيم المنتديات والمهرجانات عندما كان مديراً للثقافة في مدينة الرقة، العائدة قريباً إلى حضن الوطن، مبدّدة الظلمة المحيطة بها.. الرقة رصافة الرشيد وسد الفرات العظيم، حيث يتعانق عبق الماضي مع أحدث منجزات العلم والتكنولوجيا.. الرقة التي أوشكت أن تكون عاصمة للثقافة بأحيائها.. خمس مهرجانات دولية في العام الواحد، إضافة إلى ندوة فكرية.

في دمشق التاريخ.. دمشق الحياة في مواجهة الموت.. دمشق الثقافة في وجه الإرهاب.. دمشق النور يبدد الظلمات، وينتشر الدفء ويذيب الجليد، ويخلق جواً ثقافياً عبر الملتقيات الثقافية، وقد أضحت تقليداً ثقافياً شهرياً يبدأ الأسبوع الأول من كل شهر في المركز الثقافي العربي

بأبي رمانة.

 تشمل الملتقيات أنشطة وفعاليات ثقافية وفكرية وأدبية وفنية.. اليوم الأول حفل موسيقي مع حديث عن أحد أعلام الموسيقا، ثم ملتقى فكري يبحث أهم القضايا الملحة في مجال الفكر، وملتقى للسرديات، ثم آخر للشعر، وبعده للفنون التشكيلية.

الهدف من هذه الملتقيات إعادة النظر في القار من المعارف، وتقديم أجوبة جديدة على أسئلة قديمة، أُجّلت أو تعادمت أجوبتها.. وتتوخى الملتقيات التواصل مع أوسع الفئات الاجتماعية في محاولة لتجسير العلاقة بين الثقافة والجمهور، بإشراك الحضور في الحوارات والنقاش تنمية لثقافة الحوار القائمة على التعددية في الآراء والتنوع في المرجعيات.

أهداف الملتقيات المعلنة

البعد عن التلقين، وتجنّب المطلقات في الأحكام، والتعامل معها على أساس النسبية، كما تحاول المتلقيات جاهدة نشر العقلانية في التفكير والعلمية في التفسير، واحترام الاختلاف، على أرضية تشكيل وإحياء ثقافة تقوي اللحمة الوطنية، وتعمل على إعادة التوازن والانسجام والتوافق في النسيج الاجتماعي الذي دأبت محاولات القوى الظلامية على تمزيقه بالعودة فيه من الانتماء الوطني والانضواء تحت لواء الدولة بمقوماتها الثلاثة (وحدة الأرض، وتماسك النسيج الاجتماعي، وصيانة المؤسسات)، إلى ولاءات فئوية دينية طائفية قبلية عشائرية.

المسكوت عنه أبلغ من المنطق به..غالباً ما يكون المضمر أبلغ من المنطوق به والملعن عنه.

ما نريده من هذه الملتقيات قد يكون طموحاً أكثر منه واقعاً، أو رغبة كامنة أكبر منه فعلاً محققاً، لكن قوة الإرادة والتصميم وما تلقاه الملتقيات من دعم وتشجيع من مؤسسات وزارة الثقافة، كفيل بتحويل الأحلام إلى حقائق واقعية.. ولعل في إطلاق جائزة للرواية باسم حنا مينة، وأخرى للترجمة باسم سامي الدروبي، جاء متساوقاً مع الندوة التكريمية النقدية التي أحياها ملتقى السرديات، وكان محورها (حنا مينة كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين)، دلالة واضحة على توحيد الجهود وضبط الإيقاع وصولاً إلى الأهداف التي تسعى الوزارة إليها، وهي تكوين ثقافة جمعية تشاركية وطنية ديمقراطية تعددية، تكون نواة وعنواناً كبيراً لسورية المستقبل التي نعمل جميعاً من أجل انتصارها في معركة من أخطر المواجهات التي تعرضت لها في تاريخها الحديث.

ثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت

سلاح الثقافة وجهاً لوجه في مواجهة الإرهاب والدموية، ونشر الرعب والموت، بإشاعة ثقافة المحبة والتآخي، التسامح، والعفو، ثقافة المواطنة وسيادة القانون، ثقافة الحياة بوجه الموت، التفاؤل بوجه الإحباط واليأس، ثقافة العلم في هزيمة الجهل، ثقافة العقلانية والانتقال بالشعور الغريزي للانتماء إلى الوطن، إلى الوعي بأهميته والدفاع عنه، وصيانة حدوده وحقه في السيادة والحرية.

كلنا أمل وثقة بأن تساهم ملتقيات دمشق الثقافية على تنوع موضوعها في تنشيط الحراك الثقافي وتفعيله، ليس في دمشق وحدها، وإنما في أرجاء الوطن كافة.

العدد 1183 - 23/01/2026