المرأة الريفية… تبحث عن الفرصة لتنمية مجتمعها
تقوم المرأة الريفية السورية بأدوار ومهام جسام، إنجابية واجتماعية وإنتاجية، وهي تشكل نسبة كبيرة من اليد العاملة في الريف، وتلعب دوراً كبيراً في القطاعين النباتي والحيواني في آن واحد، فالعمل الزراعي يعتمد اعتماداً كبيراً على المرأة، كما أن نسبة النساء اللائي لديهن نشاط اقتصادي في الإنتاج الزراعي أعلى من الرجال بكثير. وأغلبية الأسر في الريف تعولها امرأة نتيجة هجرة الرجال للزراعة مؤخراً، إما لظروف مناخية أو نتيجة سياسات حكومية همشت القطاع الزراعي وحفزت المشاريع الريفية مما مارس تأثيراً سلبياً على المزارعين والمنتجين، وأدت هذه السياسات إلى انخفاض معدل نمو العمالة الزراعية وإلى انخفاض مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي في سورية مقارنة مع باقي القطاعات (19% عام 2009) ، وانخفاض مساهمة الزراعة في تشغيل العمالة في سورية مقارنة مع باقي القطاعات إلى (2,15%عام 2009)، وارتفاع نسبة العمالة الزراعية غير المنظمة إلى درجة عالية وصلت إلى 82%، الأمر الذي نتج عنه تحول المرأة العاملة في الزراعة للعمل في أعمال أخرى سعياً لتأمين دخل إضافي لأسرتها.
ومن ناحية أخرى أدى ذلك إلى قيام النساء في الريف بالأعمال الزراعية، وعملهن لساعات طويلة طيلة العام كعمالة أسرية غير مأجورة. وبالتالي تشكل العمالة المؤنثة الزراعية 81% من مجموع العمالة المؤنثة، وقد ازدادت نسبة الإناث العاملات في الزراعة من 28% عام 1994 إلى 58% عام 2002. وقد زادت تدريجياً في العقدين الماضيين كما يلي: 925,174 عاملة في عام ،1981 و327000 في عام ،1984 و000,628 عام ،1991 و000,038,1 عام ،2001 ليصل عددهن إلى 0000,438,5 عاملة في عام 2006 (المجموعة الإحصائية 2006)، وبالرغم من أن نسبة الإناث للذكور تقارب النصف ومما يفسر سبب التفاوت في نسبة فرص العمل المتاحة للإناث مقارنة مع تلك المتاحة أمام الذكور.
وتؤدي المرأة في الريف السوري نحو70% من العمليات الزراعية وتضطلع بدور حاسم في الاقتصاد الريفي، إذ تشارك في إنتاج المحاصيل ورعاية الماشية وتوفير الغذاء والماء والوقود وتأمين حاجيات المنزل لأسرتها، والانخراط في الأنشطة غير الزراعية لتنويع سبل العيش لأسرهن، وإضافة إلى ذلك يقمن، بمهام حيوية في رعاية الأطفال والمسنين والمرضى.
وتعد النساء في المناطق الريفية مساهمات رئيسات في الدخل الوطني لإسهامهن في تحسين التنمية الزراعية والريفية، وتحسين الأمن الغذائي. وبمقدورهن المساعدة على الحد من مستويات الفقر في مجتمعاتهن المحلية. إذ تشير التقديرات والأبحاث إلى أنه إذا أتيح للمرأة أن تحصل على نفس فرص الوصول إلى الموارد الإنتاجية التي يحصل عليها الرجل، فسيكون بمقدورها أن تضاعف محاصيل زراعاتهن بنسبة تتراوح بين 20 و 30%، مما ينقذ ما بين 100 و 150 مليون من البشر من براثن الجوع.
وتشكل النساء الريفيات الناشطات اقتصادياً في سورية 26% من مجمل الذكور الناشطين اقتصادياً، وذلك وفقاً لمعدلات التأنيث (أي نسبة الإناث إلى الذكور)، في حين شكلت النساء الحضريات 25%، وبلغت معدلات التأنيث أقصاها في المناطق الريفية من محافظة السويداء، إذ وصلت إلى 41%، تلتها محافظة حماة وحمص واللاذقية وطرطوس بنسبة 35%، ثم تلتها باقي المحافظات. وأن 63% من قوة العمل النسائية في سورية صنّفت في العمل المنزلي حسب إحصائيات عام ،2005 إلا أن الإحصائيات في هذا المجال غير دقيقة، فهناك نسبة كبيرة من النساء اللاتي يصنفن ربات منازل يساهمن في العمل لصالح الأسرة بدون أجر وخاصة في الأرياف.
وفيما يتعلق بالأجور فالمرأة الريفية تتلقى أجوراً ما دون أجور الرجال وهي غالباً ما تُحرم من الوصول إلى التعليم والتدريب والتقنيات وحرية التنقل، وهي تعمل لساعات طويلة تفوق ساعات عمل الرجال إن أخذن عملها المجاني وعملها مقابل أجر في الحسبان، هذا ويبقى جزءٌ كبيرٌ من عمل النساء غير معترف به لأنهنّ يقمن بتأديته مجاناً ويقتصر على المجال المنزلي.
ومع استمرار الأزمة السياسة والاقتصادية التي تمر بها سورية فمن المتوقع ازدياد معدل عمل النساء المجاني في معظم المناطق، مما يقلل من قدرتهنّ على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية.
فلا يمكن بحال من الأحوال إغفال الدور الذي تلعبه المرأة بوصفها تمثل نصف القوى العاملة البشرية المتاحة في عملية التنمية الريفية. ولكن على الرغم من دورها الكبير إلا أن الظلم واقع عليها في محيطها، إذ لا اعتراف حقيقياً لجهودها، الأمر الذي ينتج عنه حرمانها من حقوقها الأساسية في التعلم والتثقيف. فبينما تعمل النساء من أجل استرداد حقوقهن، يتوجب عليهن غالباً تحدي عمليات اجتماعية سائدة ومعتقدات رسخت لعهود طويلة. فيجب على المنظمات والهيئات أن تعمل على تحرير المرأة من القيود التي حدّت ومازالت تحد من مشاركتها الفعالة في جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، بدءاً من الدخل والتعليم والصحة ووصولاً إلى المشاركة في صنع القرارات.
وفي ظل هذا الظلم المجتمعي المتعنت للمرأة إلا أنها أدت دورها، ومازالت تحمل المسؤوليات الجسام بشجاعة وصبر منقطع النظير. ولذا يجب أن تتجه خطط التنمية الريفية نحو العمل على رفع مستوى المرأة الريفية وتطويرها ومعاونتها فى تنمية قدراتها وإمكاناتها كي تستطيع أن تقوم بمسؤوليتها بالنسبة إلى أسرتها وعملها ومجتمعها الريفي بشكل عام. وكما قال بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، في جلسة عقدت في المقر الدائم بنيويورك: (إن المرأة، وخاصة الريفية، يمكن أن تساهم في رفاه مجتمعات بأكملها إذا ما مُنحت الفرصة الكاملة في الحصول على الموارد والدعم اللازم).