جناح الصبر.. ويد الزمن

ما أقوى الزمن.. وما أقساه!

ما أرقّه، وما ألطفه وهو يمر على البذرة، والجنين، وفراخ الطير، فيجعل من البذرة شجرة، ومن الجنين رجلاً، ومن فرخ الطير نسراً.

ما أعجبه!

كيف يجعل الحامض أكثر حموضة، والحلو أشد حلاوة، والمالح أكثر ملوحة، يعفّن كل الجثث ولا يتعفن، يصدئ الحديد ولا يصدأ، يذيب الجليد ولا يذوب، يفتّت العظام ولا يتفتت، يغيّر الأشياء والأحياء ولا يتغير.

(يكشف ما خفي، ويغطي ما ظهر، يسكّن الغضب، ويقضي على الحقد، ويشفي ما يعجز العقل عن شفائه) وقد يغيب عن الكثيرين أن الزمن يسمع ويرى ويتكلم. الزمن ساحر عجيب.. يقلب الأشياء، ويبدل أماكن الأحياء ومناصبهم، يعلي ويخفض، يميت ويحيي، يدفن ويندفن، يمر على الزهرة فيحيلها ثمرة، ويقبل البرعم فيقلبه وردة.

وعلاقة الزمن بالصبر علاقة وثيقة وقوية، فلا صبر دون جسد يحمله، جسد من الزمن والوقت، ولا زمن من غير انتظار وصبر يسكنه.

الاثنان مرتبطان أحدهما بالآخر كارتباط الحبل بالدلو، والنهر بمجراه، والجبل بقمته، والثلوج ببياضها، والشمس بأشعتها، إذ إن من الصعب فصل أحدهما عن الثاني، مثل ذلك مثل من يحاول فصل الفجر عن الضوء، والجمر عن وميضه، والليل عن نجومه.

والصبر صبران:

(صبر على ما تكره، وصبر على ما تحب).

لأستسهلنّ الصّعبَ أو أدركَ المُنى

 فما انقادت الآمال إلا لصابر!

 فالإنسان دون صبر سراج بلا زيت، الصبر شجرة جذورها مُرّة، وثمارها حلوة، وعلى قدر المصيبة يكون الصبر، وإن ما يحققه الصبر قد لا تحققه أي قوة في العالم). ومن يحب ضوء الشمس وحرارتها، عليه أن يصبر على عتمة الليل وصقيعه، ومن يرغب بأكل الثمرة عليه أن يصبر على الزهرة ريثما تعقد وتنضج. إن الصغار لا يكبرون إلا إذا مر عليهم جناح الصبر ويد الزمن، إنما أن يكبر الإنسان شيء، وأن ينضج أثناء كبره شيء آخر، فالنضج لا يحدث إلا لقلة قليلة من الناس. قد تشمخ القامات من حولنا وتبقى رؤوسها منخفضة، وقد يقرأ بعض الناس مئات الكتب المليئة بالحكم والمواعظ والعبر والأمثال، وبالمقابل نجد حياتهم دون هدف أو معنى، فلا قول حسن، ولا فعل جيد.

(إن النضج والوعي صوت من الداخل، يحذر الإنسان من أخطار تحيط به ولا يراها، ومن يحصل على الحكمة يحصل على الفهم).

والضعفاء لم ينضجوا لو لم يرافق نموهم الصبر على معرفة الأشياء، وفهم الأحياء. (إن أولئك الذين لديهم الصبر على عمل الأشياء البسيطة بإتقان وحكمة يكتسبون المهارة في عمل الأشياء الصعبة بسهولة.

واللئام أصبر أجساماً، والكرام أصبر نفوساً).

العدد 1140 - 22/01/2025