تغيير السياسات الاستهلاكية وأثرها على الاقتصاد الوطني

إن تغيير السياسة الاستهلاكية للمواطن السوري أو للأسرة السورية لم يكن وليد المصادفة أو نتيجة للتطور الحتمي للحياة بمختلف أشكالها بسورية ومواكبتها للتطور العالمي. ودليل ذلك أن هذا التغير جاء في فترة زمنية قليلة وبطريقة الصدمة المفاجئة ونتيجة لسياسات وقوانين تقحم تغيير العادات والغرائز المسيطرة، بدلاً من أن تكون هذه القوانين تواكب وتقود الحاجة إلى التغيير بما يحافظ على صلابة البنى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. ولا يمكن لأي كان أن يعزل هذه التغييرات عن النهج الاقتصادي الذي تبنته الحكومات السابقة، والتي لم تتغير في ظل الحكومة الحالية في هذا الموضوع.

 مهما حاولنا لا يمكن عزل الأسباب السياسية عن الاقتصادية، ولا يمكن عزل نتائجها عن الأزمة السورية، فالتحول المتسارع الكبير والكثيف نحو الاستهلاك الحالي الهائل نحو الأساسيات أو الكماليات لم يأت من فراغ، وإنما كان نتيجة لاستراتيجيات وضعتها الكوادر المؤهلة والمتخصصة في العالم الغربي والعالم الإمبريالي نتيجة لقراءةٍ ودراسة عميقة ومكثفة لبنية مجتمعاتنا من جميع النواحي، وخاصة النواحي الثقافية والفكرية التي أسهمت في القرن الماضي في تبلور وتكريس وتجسيد مبادئ وقيم وعادات وتقاليد – نتيجة تأثير محصلة تفاعل التعاليم السماوية والتطورات الحضارية والتاريخية – معرقلة للفكر الإمبريالي الاستعماري بأنواعه المختلفة وأهدافه الواحدة، والتي تتمثل في استمرار عملية التبعية المطلقة التامة له والدونية تجاهه، واستمرار العمل بالمعادلة التي تنص على أننا سوق استهلاكية لمنتجاته من جهة، ومستودع ومركز للمواد الأولية ذات الأسعار الزهيدة التي يجب أن تبقى أولية.

 ومن أجل الوصول إلى الغاية لا بد من تفريغ المجتمعات الأخرى من جميع القيم والعادات والتقاليد والفنون والاتجاهات الفكرية والإيديولوجية المتجددة، والتي أدت وتؤدي إلى تبلور سياسات تنموية اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية، وإلى قيام قوى واقعية عقلانية موضوعية ممانعة لجميع أشكال السيطرة والتبعية والغزو، إن كان غزواً عسكرياً أو غزواً سياسياً أو غزواً ثقافياً أو غزواً فكرياً. هذه القوى القادرة على أن تكون القائدة لإبداع مجتمعاتها واستمرارية النمو والتنمية واستقلالية القرار، فهنا تكمن المعادلة الواقعية التي يجب تغييرها بنظر الإمبريالية المتلونة حسب التطور التاريخي وحسب الواقع. والظروف المختلفة تراعي الاصطفاء الحاصل بين هذه القوى عبر الزمن هذا الاصطفاء الذي يراعي تركز الرساميل وقوتها. فمن طبقات برجوازية إلى سياسات رأسمالية إلى ما بعد رأسمالية. وكذلك تنوع الأدوات مع المحافظة على الأكاذيب التي تصف هذه القوى الإمبريالية بالمتحضرة عند شعوبها، والتفكير بالاستعاضة عن الغزو المباشر والسرقة والنهب المباشرين بأشخاص تابعيين ومن ثم وبعد التفرد العالمي لجزء من هذه القوى كان لابد من وحدانية القرارات عبر ما يسمى بالعولمة المصبوغة بالأمركة. ويتم ذلك عن طريق إضفاء الصفة القانونية العالمية لهذه السياسات عبر اختراع مؤسسات دولية مسيطر عليها، تكون جاهزة لاتخاذ القرارات المناسبة التي تكرس المعادلة التي يعملون ضمنها ولا يسمحون لأحد بتجاوزها أو تغييرها.

 ومن أجل عولمة الاقتصاد بما يناسب مصالحهم صنعوا المؤسسات الاقتصادية الدولية كالمصرف الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وكلها تهدف إلى فرض سياسات اقتصادية واجتماعية واحدة على بلدان مختلفة ذات بنية اقتصادية واجتماعية. وهذه السياسات تقوم على تخفيض الرسوم الجمركية إلى درجة الإلغاء، من أجل منع الحماية للصناعات الوطنية من جهة، ومن أجل إخلال توازن الميزان التجاري، من أجل زيادة استيراد الكماليات والبضائع بعد أن يكون هناك تهيئة عن طريق خلخلة الثقافة وتسطيح التفكير، وكذلك رفع الدعم عن المنتجات وتثقيل كاهل المواطنين بضرائب ذات كمية كبيرة وأنواع عديدة ومتجددة بما يؤدي إلى زوال الطبقات الوسطى وموازنة المجتمع وتهيئة الظروف لصراعات قادمة تأخذ مناحي كثيرة.

 كذلك كان أحد فروض هذه المؤسسات الاقتصادية المعولمة هو تقليل سيطرة الدولة، وذلك لأن هذه الدول قادرة على إعادة التوازن للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نتيجة التطور التاريخي والأيديولوجي الاصطفائي المتراكم. ومن أجل ترتيب البيوت الداخلية للبلدان المستهدفة لا بد من تغيير العادات والتقاليد والقيم وتفريغ الإيديولوجيات من أجل الوصول إلى بناء ثقافي فكري إيديولوجي هش إسفنجي، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا وفق برامج وسياسات مكثفة ومتعددة بأدوات مختلفة. وقد أدت السياسة المالية في سورية إلى تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب عن المستوردات إلى أقصى درجة مما أدى لخلل في الميزان التجاري، وأدى للقضاء على الكثير من صناعات القطاع الخاص نتيجة عدم القدرة على المنافسة الفجائية. متناسين أن الانفتاح على الخارج من دون حماية هو مقتل على جميع المستويات والقطاعات، إذ تناقصت نسبة الرسوم الجمركية إلى المستوردات السلعية من 6,11% عام 2003 إلى 4,4% عام 2006.

 وكمثال على الانخفاض الذي طبق على الرسوم انخفاض الضرائب على السيارات من 145% إلى 40% للسيارات تحت 1600س.س ومن 255% إلى 60%للسيارات أكثر من 1660.

وقد كانت القروض موجهة نحو تجارة الجملة والخدمات، إذ شكلت عام 2009 ما نسبته  52% من إجمالي القروض، بينما كانت حصة كل من الزراعة والعقارات 14%، والصناعة  8%، و15% للخدمات الأخرى.

 ونلاحظ تدني نسب اقتراض كل من الزراعة والصناعة،و بالنسبة للتجارة والخدمات اتجهت نحو قروض السيارات والسلع المعمرة وما انعكس على حركة السوق، وهذا ما انعكس على الميزان التجاري، إذ طرأ تغيير كبير على حجم الواردات والصادرات بحيث نجد تحولاً خطيراً من حيث تحول الميزان التجاري من فائض قدره 43 ملياراً عام 2004 إلى عجز خطير قدره 509 مليارات عام 2010. وبالتالي انخفضت نسبة التغطية من 126% عام 2004 إلى  8,21%عام ،2010 وهو تحول خطير، يدل على انعكاسات السياسات الضريبية على الاستيراد من جهة، وما أثَّر هذا على الصناعة المحلية. وهو ما يدل على التحول الهيكلي في بنية الاقتصاد السوري إلى اقتصاد خدمي بامتياز، مع تناقص في الناتج الاقتصادي الحقيقي الداعم للبنى في كل من الزراعة والصناعة. فقد تحولنا إلى سوق استهلاكية بدلاً من كوننا بلداً منتجاً ومصدراً.

 وهنا لا بد من التذكير أن التنمية لا تتم في ظل بيئة مفتوحة، بل تتطلب درجة عالية من الحماية والرعاية للإنتاج الوطني وللصادرات، وإلى سياسة مصرفية تؤدي إلى تمكين الاقتصاد قبل تحريره. وبالتالي يجب العمل على إعادة التفكير العقلاني الاستهلاكي بدلاً من النزعة الاستهلاكية الغرائزية. ويتم ذلك عبر تعاون الحكومة مع المجتمع الأهلي لتكريس مثل هذه الثقافة، وتتم عبر مؤسسات التنشئة، الأسرة، التعليم، رجال الدين، مؤسسات الإعلام. بالتزامن مع تحصين المنتجات المحلية عبر الدعم ومراقبة الجودة ومراعاة المنتج السوري في أي اتفاق يتم، وإصلاح القطاع العام وتوجيه السياسة النقدية والمالية بما يقوي ويدعم الإنتاج المحلي.

العدد 1140 - 22/01/2025