العشاق لا يموتون
أليس كذلك يا دمشق، أن عشاقك لا يموتون؟ ولا يذهبون بعيداً أبداً؟ إنهم بجوارك على الدوام.
يسقطون، ثم ينهضون باكراً على عجل، وهم يحيونك تحية الصباح الجوري المضمخ بالدم والزعفران، ونداوة الوجد المعتق كحبيبات المطر التي تسّاقط بضراوة عشقها لثراك، وضراوة حزنها لدم أثقلته الفاجعة، حتى غدا كلون وجهك الشاحب الذي يمور بالآه والعتب على صهيل الموت، وقد صنعناه بأيدينا الآثمة، ليفرّخ الكثير من الجفوة والعذاب وفقدان الحيلة، وقد زاغت الأبصار لضراوة ما يجري. ولا نصدق أن بين الغوطتين هذا الكم الهائل من عبث الفاجعة التي تودي إلى مهالك الظنون، وهي تخمن أن ما يجري هو حقيقة يجري على تراب رواه دم الآباء والأجداد والأحفاد بتلك القيمة الخالدة التي أعلت جباه من ضحوا من أجل ترابك الغالي إلى سماء ما فوقها سماء، وذُراً لا تعلو فوقها ذراً، غير ما أبدع المولعون بك تلك القباب التي تمد جناحيها لأبد أوله دم، وأوسطه دم، ونهاياته تقيم بين الوله الجارح، والهديل الحزين!
عشاقك يا دمشق لا يموتون، ولا يذهبون بعيداً أبداً، إنهم حولك كالسوار حول المعصم، والأوسمة على الصدور، والرايات فوق الهضاب. بل ربما هم أقرب منك إلى قلبك، ورفة العين للعين، وألصق بك من نفسك، وأشد اقتراباً إليك منك. هكذا يقيمون بجوارك ملء الوجدان والقلب، هم في كل سوسنة تعتلي جبينك الغالي، في كل جذع حورة، وصنوبرة وصفصافة، هم في الليلك والكباد والياسمين! أولئك الذين عشقوك إلى حد الموت، وأغرموا بك إلى حد الصبابة القاتلة، أولئك هم الأوائل من بنيك الذين سقطوا ليظل خفق جناحيك يرف ملء حقول الله الشاسعة. بذلك الجوري القاني أضاؤوا نهار العابرين إلى المجد والخلود، وبالمداد الأحمر حفروا روعة الشعر على رفيف البيارق، وضمخوا الياسمين بصباحاته النضرة. والآن: لا دم يصنع النهار والياسمين، فالأكفان البيض المتخمة بالموت والعذاب وحدها من يطوف في ساحات الموتى، ووحدها التي حلت محل النهار والياسمين، والجنازات المتعثرة بالجثث تلوك دهشتها بصمت وأنين موجع، وتسأل بحيرة دامية: إلى أين الذهاب في ليل العتمة والوحشة؟! وكيف لي أن أكون هامشاً بائساً في مقابر الشهداء، أو حتى تلك المقابر البعيدة المنسية؟! والشاهدات الحزينة وحدها الآن من يكتب تاريخ الوطن الحزين على هامات تهوي في غير ساحاتها، وجباهٍ تسقط بعيداً عن جرح فلسطين والجولان، وأيد تحن لشال يرف مسلماً من الأقصى والقنيطرة وحطين، فترد عليه السلام بالسلام، والشال بالشال، والقبلة بالقبلة، والتلويحة بالتلويحة الأشد حرارة ودفئاً، ووجداً حارقاً، بدل زناد يطلق الرصاصات الطائشة فتخرس الهديل!
آن لنا أن نصحو من عبث المرحلة إلى مرحلة الوعي والحب والتآخي، وإلا فإن التاريخ لن يقف عندنا أبداً! ولن يكتب شيئاً عن جنون المرحلة!