كفانا ندباً… الاقتصاد ينتظر خطواتكم..!

أي نموذج تنموي جديد نريد؟ ما هي الطرق الكفيلة بدفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية إلى الأمام؟ إذ لم تعد السياسات الاقتصادية وحدها التي تؤثر سلباً على الاقتصاد السوري. فقد أثبتت الأزمة التي تعصف بسورية منذ آذار 2011 أن معظم ما لحق بالاقتصاد السوري يعود لأسباب سياسية، منها العقوبات التي فرضها علينا المعسكر الغربي (الولايات المتحدة وأوربا) بالتعاون مع مشايخ الخليج. فالسياسة عقدة الاقتصاد، وعدم الاستقرار يضعنا دائماً في دائرة اقتصاد انتقالية، وهي دائرة طاردة لكل استثمار داخلي أو خارجي، لأن الرأسمال جبان وهو اليوم يعيش حالة تربص سياسي.

لقد بات ضرورياً وضع الواقع الراهن لاقتصادنا نصب أعيننا، بعد معاناتنا بسبب السياسات التحريرية في العقد الماضي، ونسعى لتأمين متطلبات المواطنين وحاجاتهم الأساسية، وننهض بكل القطاعات التنموية والخدمية بشكلٍ يحقق التنمية الشاملة والمستدامة والمتوازنة بين جميع المحافظات، وذلك بالاعتماد على الذات وتعزيز مواردنا المحلية والعمل على الاكتفاء الذاتي من السلع  الغذائية، ما يتطلب سيطرة وطنية على مقدرات الاقتصاد القومي وحشدها بديلاً عملياً من البحث عن بدائل خارجية، الأمر الذي تتيحه موارد وإمكانات سورية. فصياغة نموذج تنموي جديد حالياً لا يمثّل فقط إشكالاً اقتصادياً، وإنما سياسياً واجتماعياً، وخاصة في خضم التداعيات السياسية التي ألقت بظلالها على جميع المفاصل في المجتمع السوري.

 

في مجال الزراعة

ضرورة تأمين المحروقات لتلبية حاجة الآليات الزراعية وري المزروعات والاهتمام بالمحاصيل الاستراتيجية وخاصة القمح، من أجل الحفاظ على الأمن الغذائي في سورية، فهو جزء مهم من الأمن الاستراتيجي، وأحد وسائل ضمان حرية البلدان في اتخاذ قراراتها، وبالتالي لا يتم المساس بقرارنا السيادي، فما دامت (الزراعة بخير فالوطن بخير).

فيجب العمل على تذليل عقبات الإنتاج، وتأمين مستلزماته وخاصة البذار والأسمدة والمحروقات، وعدم السماح للسماسرة والمتلاعبين بالعبث بأسعارها ورفعها على الفلاح، الأمر الذي يعدُّ أحد أهم المعوقات التي يواجهها المزارعون وتحملهم أعباء إضافية، كذلك توفير مستلزمات الفلاحين للموسم الشتوي، ومواصلة تقديم الدعم الزراعي المستحق لهم، مع العمل على تأمين وسائل النقل والطرقات من أجل تسهيل إيصال ما يلزم الفلاح من مستلزمات زراعية بشقيه النباتي والحيواني، والحرص على حماية الأراضي الزراعية منعاً من تعديات البعض عليها وتخريب المحاصيل.

 

في مجال الصناعة

تطوير وتنمية قدرات الصناعة السورية وإزالة المعوقات التي تعترض عملها، بهدف تحقيق مزيد من التطور، وتعزيز التشاركية بين القطاعين العام والخاص بما يحقق تطور الصناعة الوطنية ونموها ويؤدي إلى زيادة معدلات ربحيتها أو التقليل من خسائرها، ويرفع من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. وهو ما يتطلب جهداً حكومياً مضاعفاً، وخاصة بعد تراجع مساهمة الصناعة نتيجة إغلاق الكثير من الفعاليات الصناعية والتجارية بسبب الوضع الأمني المتردي، وصعوبات النقل وإيصال البضائع. وقد أدى ذلك إلى تراجع الإنتاج بمعدلات كبيرة، وارتفاع نسب البطالة، ما يحتم علينا اللجوء إلى خيار الاعتماد على النفس في مهمة توفير السلع والمنتجات للمواطن السوري، الأمر الذي يفضي إلى تدعيم الاقتصاد الوطني بتطوير صناعتنا المحلية.

فالمطلوب زيادة تنافسية القطاع الصناعي، وتطوير مؤسسات وآليات دعم القطاع الصناعي، وتطوير شركات القطاع العام الصناعي، والتركيز على التنمية الصناعية المتوازنة، مع ضرورة التفكير في تشجيع الرأسمال الوطني الّذي يستثمر لصالح المواطن السوري، وتأكيد تعزيز دور الطبقة الوسطى، التي هي المحرك الأساسي للعمل الاقتصادي. وتنشيط الريف وتشجيع الصناعات الزراعية والغذائية المعتمدة على المنتجات المحلية المتوافرة، وذلك بالتركيز على الصناعات التحويلية والزراعية التي تتناسب مع متطلبات الأسواق للتصدير، ومنحها مزايا تشجيعية، ودعمها بدلاً من الصناعات الاستهلاكية، والعمل على رفع معدلات نمو إنتاجية العمل.

فالصناعة السورية تملك إمكانات تؤهلها لمساهمة كبيرة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، وإعطائها مزيداً من الاهتمام لتنفيذ متطلبات البنية التحتية مع تبني سياسات وإجراءات تدعم وتطور الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي بحكم طبيعتها وعددها تستوعب القدر الأكبر من العمالة.

 

الاقتصاد والمواطن

إذا كانت الأزمة التي يعيشها اقتصادنا ناتجة عن السياسات الاقتصادية السابقة، فنحن لن نغض الطرف عن أن جزءاً كبيراً منها ناتج عن جشع بعض التجار وسعيهم الحثيث للربح على حساب الفئات الشعبية. فيجب أن تتضافر الجهود للحد من احتكار البعض وسيطرتهم، في ظلِّ غياب الرقابة الفاعلة عن الأسواق التي تتسم بأسعارها الملتهبة. فيجب أن يكون المواطن هو بوصلة الاقتصاد الذي يوجه إلى إنتاج ما يحتاجه الشعب ويستهلك فيه المواطنون ما ينتجون.

إننا في هذه المرحلة نريد اقتصاداً يحافظ على المقدرة الشرائية للمواطن، ويمنع الاحتكار والمضاربة والتلاعب بقوت السوريين لتخفيف الأعباء المعيشية المتفاقمة يوماً بعد يوم. فيحقق الاكتفاء الذاتي الغذائي والاستقلالية في المواد المصنعة ويستجيب للحاجيات الآنية لكل مواطن، ويدّخر ويضمن للأجيال القادمة قاعدة اقتصادية تكفل معيشتهم حاضراً ومستقبلاً. مع ضرورة أن تستهدف السياسات الاقتصادية زيادة دخل الفرد، وخلق قيم مضافة جديدة لخلق فرص عمل تقلِّص نسب البطالة وتقلل البطالة المقنعة في مؤسساتنا، بواسطة بناء مناخ مشجع للأعمال، والاستفادة من خبراتنا المحلية نساء ورجالاً. الأمر الذي يحدُّ من هجرة الشباب السوري إلى الخارج.

إن إعادة توزيع الثروة أمر ضروري، لكي يحقق أكبر قدر من العدالة والتخصيص الأمثل للموارد وتحقيق أكبر قدر من التوازن في السياسات النقدية والمالية والاقتصادية لخدمة أهداف عملية الإصلاح، وعلينا ألا نسمح لقلة من الأثرياء أن يسيطروا على الاقتصاد.

إنَّ الاقتصاد السوري اليوم في حالة لا يحسد عليها، الأمر الذي يتطلب خطواتٍ فاعلة من الجهات المسؤولة، فقد أدت الأزمة الحالية إلى ركود شديد في الأسواق المحلية نتيجة ارتباك الأوضاع الأمنية في البلاد، وتخييم القلق على أجوائها. فدائماً يدفع الاقتصاد ثمن المشهد السياسي المقلق، لأن الاستقرار هو أحد معالم التنمية الاقتصادية، ومن دون هذا الاستقرار سيتجمد حال الاقتصاد وتزيد أعباء المواطنين .

فعلينا أن نصب اهتمامنا على الإنتاج، وأن نخرج من حالة الاستقطاب السياسي الحادة التي تنعكس سلباً على الاقتصاد، ويزداد وضعه تدهوراً يوماً بعد آخر.

وأخيراً أقول إنَّ هناك من يحاول هدم هذا الوطن من بوابة الاقتصاد والأمن.

العدد 1140 - 22/01/2025