منطقة تجارة حرة مع إيران أم شراكة صناعية؟

التكامل الاقتصادي الإسلامي العربي على مثال إيران وسورية

 

 دأبت السياسة الاقتصادية منذ سنين تخطط لزرع (المناطق الحرة) في أماكن عديدة على السواحل والمناطق الحدودية، استجابة ل (نصائح) صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي والعديد من الخبراء الاقتصاديين الغربيين للدول النامية ومنها الأقطار العربية ضمناً سورية، بقصد التحايل على السياسات الحمائية فيها وفتح حدودها أمام بضائعها. تستفيد الدول الصناعية منها وتخسر الدول النامية، لأن المصانع في الدول النامية عامة وفي سورية خاصة رأسمالها بملايين وعشرات ملايين الليرات السورية، ومصانع الدول الصناعية بعشرات ومئات وآلاف الملايين من الدولارات. فأية منافسة عادلة ممكنة؟ ستخسر سورية، لأن رصيدنا من الصناعات وفائض المنتجات لا يزال صغيراً جداً. لن نجني منها إلا الخسارة.

تركيا دولة تابعة للغرب منذ أواخر الحرب العالمية الأولى بقيادة (أتاتورك)، وحكوماتها تنتهج سياسات ضد مصلحة الشعوب التركية لمصلحة الغرب الاستعماري. لم تتم دراسة الجدوى الاقتصادية للتعاون مع تركيا مسبقاً كما يتطلب المنطق الاقتصادي، لكن جرد الحساب يظهر أن تركيا قد استفادت، في حين خسر القطر العربي السوري. ارتفعت وارداتنا من تركيا من 1,2 مليار ل س عام1999 إلى 27,54 ملياراً عام ،2009 بمعدل 8,25 ضعفاً. في حين ارتفعت صادرات سورية إلى تركيا من 6,3 مليارات ل س عام 1999 إلى 7,14 ملياراً عام ،2009 بمعدل 4 أضعاف فقط. خسرت الخزينة السورية الرسوم الجمركية بالمليارات، وخسرت الشركات السورية جزءاً من أسواقها التقليدية، وأفلس بعضها، وسرح البعض قسماً من عماله، وتراجعت أرباح الكثير من الشركات السورية، فانخفضت ضرائب الدخل التي كانت تدفعها للخزينة. فهل ثمة دراسة للجدوى الاقتصادية للمنطقة الحرة مع إيران؟ أم أن البعض لا يتعلم!

الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة مسلمة جارة مستقلة تعمل لصالح الشعب الإيراني. وثمة مصالح مشتركة للعمل مع دول العالم الإسلامي، خاصة الأقطار العربية المستقلة، مثل القطر العربي السوري، للمصلحة المشتركة، وتقف معنا ضد العدو الإمبريالي المشترك، لذا يقضي الرشاد أن نتعاون معها:

أولاً في مجال البحث العلمي النظري والتطبيقي. وقد قطعت شوطاً طيباً في هذا المجال سبقتنا فيه بمقدار ما تنفقه من موارد مالية وتخصص له من كوادر بشرية عالية التأهيل. وينبغي علينا أن نخصص له أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي كي نلحق بالآخرين.

ثانياً في مجال تشييد صناعات مشتركة ، انطلاقاً من تقسيم عمل دولي جديد يحقق المنافع للطرفين. والمجال واسع جداً هنا. فالقطر العربي السوري جزء من الأمة العربية، وإيران دولة أمة مستقلة، استطاعت أن تبني صناعات متطورة في مجالات عدة مدنية وعسكرية، في تشييد مصافي نفط جديدة ومصانع بتروكيميائية وصناعة المركبات، وليس تجميع قطع الغيار فقط، انطلاقاً من خطط بعيدة المدى وفي تطبيقات تقنية النانو لتحليه مياه البحر و تجهيزات الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء وتسخين المياه وصناعة محركات المركبات والبرادات والغسالات.

وثالثاً التعاون في تصميم وتنفيذ طريق الحرير الجديد وصناعة الخطوط الحديدية وعربات القطار والقاطرات والحاويات النمطية والمستلزمات الإلكترونية وغيرها (لمزيد من التفصيل: انظر.. طريق الحرير الجديد – د. نزار عبد الله – مجلة المعرفة – دمشق تاريخ حزيران 2007 ، صفحة125/148) بالتنسيق مع الدول المعنية مثل الصين وروسيا والهند وغيرها، والتعاون في دراسة وتصميم شبكات نقل النفط والغاز بالتعاون مع روسيا أيضاً، بحيث لا يتمكن العدو الغربي من وضع (مسمار جحا) في السياسة النفطية لمحور الممانعة والمقاومة. يتولى خبراء اقتصاديون استشاريون عرب سوريون دراسة البدائل الكثيرة لصناعات مشتركة وتقديم اقتراحات محددة. بعد ذلك تتولى هيئات حكومية سورية دراستها والتشاور حولها مع هيئات حكومية مختصة في إيران. لماذا اختزال التعاون في المنطقة الحرة؟ أليس هذا تبديداً خطيراً للإمكانات الكبيرة المتاحة الممكنة؟

إن العمل على تنفيذ جزء من طريق الحرير الجديد بين الجمهورية الإيرانية الإسلامية بطول كم وكلفة مليون بدءاً من دمشق – بغداد – طهران – الحدود الإيرانية الشرقية، وحلب – تدمر – التنف – بغداد -طهران – الحدود الشرقية لإيران، وطرطوس – حمص – تدمر (باتجاه باكستان- الهند – الصين)، والحدود الإيرانية الشمالية (باتجاه الجمهوريات الإسلامية تركمانستان – أوزبكستان- كازاخستان – روسيا). بالتشاور مع الدول المعنية في طريق الحرير، خاصة الدول الآسيوية وصولاً إلى الصين وروسيا والعراق ولبنان.. إلخ. (لمزيد من التفصيل: انظر.. طريق الحرير الجديد – د. نزار عبد الله – مجلة المعرفة – دمشق – تاريخ حزيران 2007). وألقيت كمحاضرة في وزارة النقل السورية لكبار المسؤولين في وزارة النقل بحضور وزير النقل منذ عقد من الزمن.

انطلاقاً من استراتيجية التنمية الاقتصادية في البلدين، يتم اختيار فروع صناعية ويستنبط تقسيم عمل أفقي ورأسي تبعاً للموارد العلمية والفروع الصناعية المشيَّدة في البلدين، خاصة في مجال الصناعات الثقيلة، لأنها تحتاج إلى رأسمال كبير. المهندسون والاقتصاديون والفنيون والعمال المهرة متوفرون في كلا البلدين. تصبح السوق المشتركة لهذه الصناعة أو الصناعات التي يتم الاتفاق عليها أكثر اقتصادية بالتشارك فيها.

 من الرشيد البدء بإقامة صناعات مشتركة بين إيران وسورية في مجال صناعة الخطوط الحديدية والقاطرات وعربات القطار للمسافرين والبضائع والحاويات من نمط م3/طن و2م3/2طن و3م3/3طن، التي تناسب حجم الإنتاج الصغير وحجم الطلبيات المتواضع في كل دفعة خاصة لبعض المسافرين لنقل متاعهم وللمصانع التي تشحن بالقطارات ولا تحتاج إلى رافعة. وهي واسعة الانتشار في النقل السككي لأنها اقتصادية، إضافة إلى صناعة المستلزمات الإلكترونية. يشكل هذا الفرع الصناعي مع تنفيذ مشروع طريق الحرير الجديد، استثمارات ضخمة ويخلق فرص عمل وتشابكاً صناعياً واقتصاداً قوياً، بفعل العلاقات السياسية الراسخة منذ الثورة الإسلامية بقيادة الخميني قبل أكثر من ثلاثة عقود، ويشيِّد (العمود الفقري) لصناعات عصرية متطورة لقطارات مكهربة تسير مثل غيرها في الدول المتطورة نقلياً بين 300-500 كم/ساعة، فيصل المسافر مثلاً بين دمشق وبغداد وطهران خلال ساعات!سيرتفع عدد الزوار والسياح عدة أضعاف بين الدول المذكورة.

ستجني كل من سورية والعراق وإيران منافع كثيرة من تجارة العبور بمئات ملايين الأطنان سنوياً، وستتضاعف هذه الأرقام مع استكمال طريق الحرير الجديد ليصل إلى الصين وروسيا شرقاً، وإلى أوربا غربا. يزداد الأمن القومي رسوخاً في جميع هذه الدول، عند جعل تجارة العبور بالقطارات حصراً، فيصبح تهريب العديد من السلع صعباً جداً ويتم التفتيش أثناء سير القطار. أما الشحنات العابرة فتظل مختومة من بلد المنشأ إلى بلد المقصد. وتنخفض كلفة الشحن كثيراً، مما يعطي للاقتصاد ميزة تنافسية إضافية في كل من سورية والعراق وإيران. يوفر هذا المشروع فرص عمل وفيرة في البلدين وزيادة كبيرة في القيمة المضافة للقطاع الصناعي وقطاع النقل وتخفض كلفة النقل بالنسبة لشتى القطاعات الاقتصادية الأخرى في الوقت ذاته. وتختزل زمن النقل وتحافظ على البيئة، لأن حجم التلوث الذي تسببه الكهرباء قليل، خاصة التلوث السمعي. وترفع وتيرة التنمية الاقتصادية عبر مضاعف الاستثمار، مما يتيح المجال لتشييد مئات المصانع الجديدة في القطاع العام والخاص التي تورد لهذه الصناعة والتي تبني عليها. هكذا يكون القطاع الصناعي الذي يبدأ بصناعة النقل السككي قاطرة التنمية الاقتصادية. النظريات التي بنيت على أن التجارة الخارجية هي محرك النمو الاقتصادي تنطلق من الوصول إلى درجة عالية من التصنيع والتفوق على الدول الأخرى تقنياً واقتصادياً وبالتالي تستطيع غزوها في عقر دارها مستفيدة من المناطق الحرة. أما القطر العربي السوري فلا يزال (يحبو) في مجال التصنيع، ولم يملك بعد منتجات صناعية منافسة، فلن يكون نصيبه، إلا الخسارة من المناطق الحرة.

 تتطلب التنمية الاقتصادية في الدول الإسلامية، ومنها الوطن العربي، تغيير تقسيم العمل الدولي المجحف بحق جميع الدول النامية، وإرساء تقسيم عمل دولي جديد يحررها من التبعية التقنية والاقتصادية والعلمية من المستعمر الغربي، على أسس تضمن مصالح الجميع بشكل أكثر عدلاً. يتطلب ذلك إقامة تكامل اقتصادي على أكثر من مستوى، بين الأقطار العربية ذاتها وبينها وبين العالم الإسلامي ومع الدول النامية في القارات الثلاث إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ومع الدول الصديقة الصين وروسيا والهند. ينبغي استنباط استراتيجيات للتنمية الاقتصادية بالتعاون مع الفرقاء التجاريين الآنفَيْ الذكر. يكون التكامل الاقتصادي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية حلقة منها، وتظل الأبواب مفتوحة لدخول أقطار عربية ودول صديقة أخرى تقف في خط المواجهة السياسية والاقتصادية ضد الغرب الاستعماري الأمريكي الأوربي الصهيوني.

العدد 1140 - 22/01/2025