معاناة مزارعي بلدة الطيبة سجالٌ عمره ثلاثون عاماً!
يبقى السجال محتدماً بين مزارع متشبثٍ بأرضه، وبقوت عياله، ووزارة متمسكة بقوانين بالية ترجع أصولها إلى خمسينيات القرن الماضي، غير آبهة بما سيؤول إليه الوضع من نتائج كارثية على فلاح امتزج عرقه بتراب الوطن ليحيله من أرض جرداء بائرة إلى جنة على الأرض..
سجالٌ زاد عمره على ثلاثين عاماً لمزارعي قرية الطيبة في محافظة السويداء، وفشل يتلوه الفشل وخيبة الأمل، بسبب مطالبتهم وزارة الزراعة بالإنصاف، واستعادة أراضيهم البالغة مساحتها 6700 دونم، التي سُجِّلت أملاك دولة من غير وجه حق، مع انتظار نتائج لم تر النور، من لجنة وزارية شُكِّلت من سنوات خَلتْ للنظر في موضوعهم.
الوثائق تؤكد… ولكن..!
ألم يكن بمقدور أي من الوزراء المتعاقبين على مدى أكثر من ثلاثين عاماً إنصافنا رغم كل ما نملكه من وثائق.. أم أنه عدم اكتراث..؟!.. سؤال يطرحه مزارعو قرية الطيبة. مع تبيان ما يملكونه من وثائق ومستندات تؤكد ملكيتهم لهذه الأرض منذ عام 1958 وفقاً للقسمة المعمول بها فيما بينهم والمسجلة أصولاً في جدول ملاكي هذه الأرض، مُضيفين أن استثمارهم لهذه العقارات استمر قرابة عشرين عاماً، لحين قدوم فرقة المساحة الفنية عام 1971 والبدء بأعمال التجميل وإزالة الشيوع في المنطقة العقارية رقم 47 التي جرى فيها تسجيل نحو 6700 دونم باسم أملاك الدولة ولأصحابها الحقيقيين حق الارتفاق والانتفاع منها للرعي فقط، إلا أن هذا الحق، بحسب مزارعي القرية، سقط! وخاصة بعد أن أصدر محافظ السويداء عام 1981 قراراً قضى بتحريم الرعي في مناطق الاستقرار الأولى والثانية، وقد شمل القرار قرية الطيبة، لأنها منطقة استقرار ثانية، ولم يعد بمقدورهم الاستفادة من الأرض إلا عن طريق استصلاحها وزراعتها بالأشجار المثمرة.
ونتيجة لما (اقترفت) أيادي الفلاحين من استصلاح للأراضي البائرة، قامت مصلحة أملاك الدولة بمديرية الزارعة بتشكيل لجنة عام 1986 صنفت الفلاحين بمنزلة المعتدين على أملاك الدولة وأحالتهم إلى القضاء..! إلا أن حكم المحكمة الذي صدر بتاريخ 20/1/1987 وجاء في صالح الفلاحين، لم تأخذ به وزارة الزراعة، بل أصدرت حكمها برفع يد المزارعين عن هذه العقارات، مع فرض أجور مضاعفة عليهم، وعدّل فيما بعد إلى أجور بدل مثل، وتزكيته بالقرار رقم 183/د.س تاريخ 3حزيران 2002 القاضي بإسقاط حق الارتفاق والانتفاع بالرعي عن محاضر أملاك الدولة بغية تأجيرها للمزارعين، وذلك بعد إجراء عمليات البحث الاجتماعي في القرية، وقد قامت مصلحة أملاك الدولة بمديرية زراعة السويداء بمسح كامل الأراضي وتالياً تم تسجيلها (أملاك دولة) ثم تأجيرها للفلاحين، وبحسب المستندات التي حصلنا عليها كان القرار رقم 16 لعام 2004 الصادر عن مصلحة أملاك الدولة بالسويداء والمتضمن فرض أجر المثل على شاغلي أراضي أملاك الدولة بالمنطقة العقارية الطيبة، بواقع 400 ليرة سورية للدونم الواحد (مشجراً) و55 ل.س للدونم الواحد (بعلاً)، ما رتب على فلاحي القرية مبلغاً قدره 4 ملايين ليرة سورية. وللأمانة، وعلى الرغم من التبدل الكبير الذي طرأ على الليرة مقابل الدولار، إلا أن المبلغ لم يطرأ عليه أي زيادة.
عجائب وغرائب
هل من المعقول أن تقوم مصلحة أملاك الدولة بتسجيل هذه العقارات باسمها علماً بأنها مستخدمة قبل صدور قانون أملاك الدولة رقم 252 لعام 1959؟!
وهل لها الحق بمخالفة القانون نفسه رقم 252 لعام 1959 في الأمور التي تأتي في مصلحة المزارعين، التي تنص على أن العقارات التي تزيد نسبة الوعورة فيها على 50% هي التي تسجل باسم أملاك الدولة. مع العلم أن محاضر التجميل وإزالة الشيوع المؤرخة برقم 361 تاريخ 22كانون الأول 1971 تؤكد أن الأرض المعترض عليها هي أراض بور ولا توجد فيها نسبة وعورة؟!
وهل كان قرار وزارة الزراعة رقم 183/د.س تاريخ 3حزيران 2002 المتضمن إسقاط حق الانتفاع مُنصفاً..؟! ومن المعروف أن حق الانتفاع لا يجوز إلا بطلب من أصحاب العلاقة، وأصحاب العلاقة لم يطالبوا بهذا الحق؟!.
والحكم الصادر عام 1971 ألم يتم إلغاؤه بحكم المحكمة الصادر بتاريخ 20 كانون الثاني1987 الذي جاء لمصلحة المزارعين.. أم أن المعنيين يختارون من الأحكام حسبما يرتؤون؟!.
فما الضرر من تحويل هذه الأراضي من بائرة إلى مثمرة، إن كان على الفلاح.. أو على الوطن.. خاصة بعد قرار تحريم الرعي مع بقاء حق الانتفاع الذي ألغي لاحقاً.. أم أنهم أرادوا اتباع المثل القائل عن الخبز: (مقسوم لا تاكل، وصاغ لا تقسم، وكول وشباع)..؟!
والأهم من كل هذا.. ما نفع فلاح قد نُزعت منه أرضه.. أم أنهم يبغون إبقاءه بين سندان الفقر.. ومطرقة وزارة الزراعة؟
أسئلة كثيرة نطرحها، على ذوي الضمائر الحيّة فقط، لعلها تلقى استحساناً.
أخيراً وليس آخراً
كريمٌ ومعطاءٌ هذا الوطن الذي حَضَن مَنْ استجار به ممن ثابوا إلى رشدهم، بعد أن حملوا السلاح في وجه إخوانهم… وغريبة هي المفارقات التي تجعل البعض من مسؤوليه يسعون لإرجاعنا إلى عهد إقطاع كان قد ولّى أدباره، وتنصيب أنفسهم إقطاعاً، باسم القانون.. ينزعون الأرض من أيدي فلاحينا.. ناسين أو متناسين مقولة: (الأرض لمن يعمل بها)..! راجين من الله تعالى أن يثوبوا هم أيضاً إلى رشدهم!