الموز وعقد أخرى…

في بلدنا عقدة قديمة اسمها (المواطن والموز)، ربما تستغربون وجود عقدة من هذا النوع، فنحن نعرف رجالاً عندهم عقدة السيارة مثلاً، أو نساء عندهن عقدة الذهب، أما أن تسبب فاكهة عادية جداً عقدة نفسية لدى مواطننا فهذا من غرائب الأمور حقاً، والمشكلة أنها عقدة تخص البالغين، أي يعانيها الكبار من النساء والرجال. أما أطفالنا فقد اشتركوا مع الموز في صنع مزيد من العقد لنا نحن أبناء الجيل المسكين الذين كنا نبحث عن بذرة الموزة – إذا ما حالفنا الحظ وحصلنا على واحدة مصادفة  فنقوم بزراعتها في أرض دارنا، آملين أن تنبت لنا شجرة موز فيصبح لدينا الكثير منه كما كنا نرى في كتبنا المدرسية وفي برنامج (افتح ياسمسم).

 ولا بد أنكم تتذكرون أنه في أيام دراستنا، كان هناك قانون مدرسي يمنع التلاميذ من اصطحاب الموز معهم إلى المدرسة حفاظاً على الأمن العام، ومنعاً لتفشي الأحقاد الطبقية، واندلاع النزاعات الموزية. وإذا كنتم تتجاهلون وجود هذه العقدة لديكم، فعودوا بذاكرتكم سنوات إلى الوراء، ولاحظوا أن بعض الناس الذين كنا نزورهم، كانوا يعمدون إلى تقديم طبق من الفاكهة للضيافة، ويزينون قمّته ببضع موزات مصفرّة من الخوف، فلو أن الوضع طبيعي لبادرنا أنت أو أنا إلى سحب موزة من الطبق بكل بساطة وتقشيرها ثم التهامها دون حرج. ولكن لأن لدينا عقدة الموز فنحن لا نفعل شيئاً مشيناً كهذا، بل نراعي مشاعر صاحب البيت ونتناول تفاحة أو برتقالة متظاهرين أن الموز لا يعنينا أبداً، فوجوده في الطبق لا يخولك التجرؤ عليه، إلا في حالة واحدة، هي أن يتناول (مالك الموزات الكريم ) واحدة، وينحرها أمامك، كما يفعل العربي بالخروف إذا ما أراد إكرام ضيفه. عندئذ فقط يتاح لك تناول نصفها، لأنك لو تناولتها كلها فأنت (عديم موز)، أما إذا كنت تصطحب أطفالك في الزيارة و راحوا  – دون ضمير – يعرّون الموزة تلو الأخرى ويأكلونها أمام الرجل العاجز عن التدخل، فاعلم أن صاحبك لن يفتح لك الباب ثانية.

أقدم مسؤول جريء على إجراء ثوري -لا أدري ما هو بالضبط – لكنه أدى إلى تدهور سعر الموز ليتساوى مع البصل والبطاطا، فراح الناس يسعون إلى تفريغ عقدها منه، صار الأب يدخل إلى البيت وبيده ثلاثة كيلوات موز، يرميها على أرض المطبخ أمام زوجته، قائلاً لها: (لا تطبخي اليوم يا مرة)،أو ترى العمال ذاهبين في الصباح إلى الورشات وفي داخل أكياسهم زوادة من خبز وموز، عندئذ نضرب كفاً بكف ونقول: سبحان من أذلّك بعد العز، والله يرحم أيامك يا موز، يوم كان من الطبيعي أن ينقل كيلو من الموز تهريباً عبر الحدود، بل ما زلت أذكر أن معلماً قريباً لنا كان في إعارة إلى اليمن، ويوم عودته لم يفكر بإحضار شيء من طرائف البلد البعيد، بل حمل بعضاً من (المذكور بالخير). لكن طول الانتظار في المطارات جعل الفاكهة المدللة تفسد، ولا تنسوا أن كثرة الدلال مفسدة، لذا أعتقد أن أطفالنا المدللين تآمروا مع الموز على جعل عقدتنا مستعصية على الحل، إذ تراهم غير مبالين بنا أو بها. ولا أنسى يوم كنت أحاول إقناع طفلتي بتناول موزة، وهي ترفض، بينما والدي العجوز يراقبنا، ليعلق: (في بداية شبابنا كنا نعمل في بيوت الأغنياء، فكان من أعجب الأمور في الدنيا رؤيتنا الأهل يجبرون أولادهم على تناول الطعام، والآن أحمد الله أني عشت حتى رأيت هذا المشهد في بيتي…!) وسمعت أن طفلاً قال لوالده: بابا أشتهي أن آكل موزة. فرد الأب بحدة: ومن أين تعرف الموز يا ابن…؟ ثم نظر إلى زوجته وصاح: حقاً، الأولاد لا يتعلمون في بيت أهلك إلا الأشياء السيئة.

 وتطبيقاً لنظرية ابن خلدون في تقليد الضعيف للقوي، فإن شبابنا الذين غادروا إلى لبنان للعمل هناك أصيبوا في البداية – حسب اعترافاتهم – بصدمة الموز عندما وجدوا أن سعره أقل من غالبية المواد الغذائية، فأكلوا موزاً عنهم وعن أمواتهم، ثم عملوا منه سندويشات مع الجبن، بعد ذلك حاول بعض المثقفين منهم ممن قرؤوا روايات أمريكا اللاتينية، أن يجربوا طبخه أو قليه بالسمن، مثلما يفعل أبطال (ماركيز). لكن الطبخة لم تنجح، وعندما عادوا إلى قراهم في إجازة لم يحملوا معهم شيئاً منه لأهاليهم، وإذا ما سألهم فضولي عن السبب قالوا: (هاهو تين الضيعة أمامكم، لماذا لا تأكلون منه؟ أم أن أمهاتكم قد فطمنكم على الموز؟).

 وبكل فخر نقول: إن هذه العقدة لم تصل بنا إلى الدرجة التي وصل إليها بعض العرب ممن راحوا يسمون بناتهم (موزة)، مع ذلك فلو فتحت أرشيف صحافتنا خلال العقود الماضية، لراعك فيه كثرة التعليقات على موضوع الموز: غلاء الموز، واستبداد البعض بالموز. بل قد ترى اقتراحاً لأن تستأجر الحكومة أرضاَ في إفريقيا من أجل زراعة الموز. فالمواطن الذي نال كل ما يحلم به لم يجد ما يطالب به حكومته إلا الموز ! وأظن شخصياً أن ثمة حكمة خفية في سياسة الحكومة نحو جعل الموز سلعة نادرة، (لاحظوا وجه الشبه بين كلمة حكمة وحكومة…) وأعتقد بحق أن المواطن عندنا نقاق بالوراثة. وقد اكتشفت هذا بعد أن صرت أرى الموز مستلقياً بجانب الكيوي والأناناس في صناديق بلاستيكية أمام أصغر دكان في حارتي الشعبية، ومع ذلك لم يتوقف المواطن عن النق ولا صارت حياته أكثر سعادة، مع أن من المفترض أن يكون قد تجاوز عقده القديمة ودخل عصراً جديداً من العقد تبدأ بالموبايل ولا تنتهي مع جرة الغاز.

العدد 1140 - 22/01/2025