تاج الدين موسى… عام على رحيله

يا تاجُ… عاد الصّيف

 

 تُرى.. في أيّ مكان من جسدك المريض كنتَ تُخبّئ تلك الرقصة؟

أفي رئتك الوحيدة التي كانت تَصفِر كقطار الفحم.. أم في جسدك المتراصّ كصخرةٍ من صخور كفر سجنة!.. أم في عينيك الغائمتين بالدّمع والغبار؟

من أين لك تلك المرونة.. خِفّة النطّة.. وذاك الصّياح؟

كنتُ أضع أذني في فمك كي أسمعك.

وكيف صرت ورديّ الوجنتين.. أَلِق العينين.. تفتح ساعديك كجناحين.. وتغزل.أيّ جنّيّ تلبّسك أيّها الخائب ! ألم تفتح لك فتاة الرّوح نافذتها.. وواربتْ لك الباب؟ لكنّك وقفت متردّداً أمامه عشر سنين ولم تدخل، إذاً.. لماذا كنت تغمزها من موقف الباص؟

كان لا ينقصك سوى حركة واحدة، بأصابعك فقط سيُفتح الباب.. وبخطوتين تدخل.. إلى عالم اللوز.

وقفتَ كالشّبح ساعتئذ.. واليوم ترقص كديك الماء.

ثمّ.. لماذا أغلقت أبواب النعيم؟ ألم تكن توقّع شيكات الشركة بيدك..لماذا إذن تدور سوق الخضرة مرّتين لشراء برتقالات؟

المال مسفوح على طاولتك، وفي جيبك رنين بضع قطع معدنيّة.يومذاك.. كنتَ واقفاً مع الجميع على خطّ البداية.. بإصبعيك هززت جيبك، كان الرّنين إيذاناً بالانطلاق.. سباقٌ نحو المتعة والغنى.

ركض الجميع نحو جهة الهدف، وركضت.. بالمقلوب.. عكس الاتجاه، مهرولاً وحدك كحصان هرم، بصهيل مكبوت لم يسمعه أحد إلاّك.

فإذا تجرّأ شخص ونبّهك، عبست، واصفاً كلّ كلامه وآرائه وطروحه.. بالمسائل التّافهة.

تفّهت الكثير من حولك، في الوظيفة، الحي، المدينة، البلد… وهم أعيان لم تستثن منهم أحداً.

وبصقت في وجه كبيرهم محطّماً فيه صنم الأنا.

وأسألك.. ألم يكن ريقك ناشفاً ساعتئذ؟.. من أين جمّعت تلك البصقة؟ وكيف حفّزت غددك اللعابيّة إلى ذاك الحد.. وتفلت؟ ثمّ.. كيف لأديب مثلك، أن تصدر عن لسانه تلك الشتائم؟

تذكّر.. كانت الكلمات كلّها من تحت الزنّار، خصوصاً شتيمتك الأخيرة.

بحثت مليّاً.. في حارتيك الشرقيّة والغربيّة عن أصل تلك الشتائم فما وجدت.

أهل الحارة الشرقيّة قالوا: نحن نعرف أديبنا، نقرأ له ونحبّه، لكن بالسّر، سمعنا الشتائم.. سررنا،بيننا وبين أنفسنا، هو على حق، وأضافوا: العين لاتقاوم المخرز.

أهل الحارة الغربيّة قالوا: صوّرناه وهو يبصق.. نشرنا الصور.. ألا يكفي ذلك؟ ونفتك الحارتان، تجنبتاك بكلّ دبلوماسيّة، للأمانة.. كانتا محزونتين لمرضك، وقد بعثتا سرّاً مندوبين إلى إدارة المشفى، محمّلين بعباراة المواساة.

لكنّك أدهشتهم، تذكراللقاء طبعاً، وقد تزامن دخولهم مع أصوات هتاف في الشّارع، أقصد لحظة نزعك جهاز التنفّس عن وجهك، ونتر السّيروم من قفا كفّك.

قذفت اللابتوب جانباً.. ونططت كوعل نافر، صفقت الباب بعد خروجك، لحقوا بك، كل ثلاث درجات قفزة، وأمام باب المشفى.. في دوّار الكرة الأرضيّة بالتحديد، رقصت.

كانت رقصة أخّاذة، جمعت الشِّيخاني بالكوصر بالتانغو بالسامبا، وهدير الشباب من حولك يزيدك رشاقة وبهلوانيّة، درت الكرة الأرضيّة ألف مرّة، وفي المرّة الواحدة بعد الألف.. سقطتَ.. وارتطم رأسك بالكرة، في القارّة الآسيويّة.. وعلى ضفاف المتوسّط كانت كلتا يديك تمسكان الجزيرة السوريّة، بأناملك عزفت على ناي درعا، وكمان دمشق، ومزهر حمص، وعود حلب،وربابة الدّير،وقيثارة اللاذقيّة، وبزق الحسكة…، ومواويل ادلب.

وسقطت مضرّجاً بالفرح.

مزمّلاً بهتاف الشباب: الله.. سوريّة.. حريّة وبَس.

كانت آخر الرّقصات

العدد 1140 - 22/01/2025